وهكذا نجد بحور المرحلة الأولى تسجل تفوقًا ملحوظًا في هذا المجال، لأنها تبلغ ستة بحور، فإذا أضفنا إليها بحر الرجز أصبحت سبعة، فإذا علمنا أن أربعة من بحور المرحلة الثالثة تعد في حكم النادرة والضامرة، لقلة استعمال الشعراء إياها وضعف صلاحيتها للتعبير الطليق، وهي (المديد، والمضارع، والمجتث، والمقتضب) ، فإن النتيجة تعزز بوضوح بحور المرحلة الأولى، إذ تظل (سبعة بحور) ثابتة، ويبقى في المرحلة الثانية (بحران) فقط، وفي الثالثة (ثلاثة بحور) . وما هذا التفوق العددي لبحور المرحلة الأولى، بل وهذه الحيوية في الاستعمال الفعلي والحياة على ألسنة الشعراء إلا دليل على أصل النشأة الشعرية الأولى لهذه البحور، ومناسبتها للعيش أكثر من غيرها، ذلك لأن تكرير تفعيلة واحدة يعد أبسط أشكال الوزن الشعري وأسهلها وأكثرها شيوعًا على ألسنة الشعراء العرب في أكثر العصور (66) ، ويتأكد لنا ذلك في اعتماد شعر التفعيلة في العصر الحديث (وهو جوهر التجديد الشكلي في القصيدة الحديثة والشكل الطاغي عليها) على تكرير تفعيلة واحدة فقط على طول القصيدة الواحدة، وهو تيار جارف يدل على عودة الإنسان العربي الحديث إلى ينابيع الشعر البسيطة الصافية الأولى بعيدًا عن التكلف والتعقيد، واعتماد التفعيلة يقرِّب إيقاع هذا الشعر الحديث من إيقاع النثر الفني البسيط، وهذا ما شجع بعض الشعراء على تجريب أسلوب كتابة ما أسموه (قصيدة النثر) في محاولة منهم للعودة المطلقة إلى المرحلة التي سبقت بدايات نشأة البحور الشعرية البسيطة الأولى، وهي عودة غير محمودة لأنها تحطيم لكل الإنجازات الإيقاعية في القوالب الفنية الجميلة التي توصَّل إليها العربي عبر دهور متطاولة من الزمان، مرتقيًا فوق لغة النثر الفني التي أشبعت نهمه الفني أو جانبًا منه على الأقل زمنًا طويلًا وأحب أن يتجاوزها إلى لغة إيقاعية مطربة.