6-وأن كل بيت من الرجز التزم وحده الحرف أو الحرفين أو الثلاثة الأخيرة منه، والتي بنيت عليها الأرجوزة الجاهلية، التزامًا دقيقًا يدل دلالة قاطعة على أن هذا الرجز كان مرحلة فنية متطورة مباشرة عن (السجع) (59) ، ذلك لأنه احتفظ، إلى جانب الإيقاع، بالسجع في نهايات شطوره، مما يدل على أنه كان النقلة الأولى من مستوى الكلام المنثور المسجوع إلى مستوى الكلام الموقع المسجوع الذي يعد أرفع درجة من الحالة الأولى التي كانت بداية الانفصال عن الكلام المعتاد، وكان الرجز أكثر تأثيرًا من السجع في النفوس (60) ، وهو أيسر على الحفظ والتخزين في الذاكرة لمدة أطول من النثر المسجوع. ويتأكد لنا هذا التطور من مطابقته لانتقال أي ظاهرة من شكلها البسيط إلى شكل جديد أعقد، مع وجود سمة مشتركة واضحة تدل على مثل هذا الانتقال.
7-وأن سمة (الاضطراب) التي رأيناها من قبل في التفعيلة التي بني الرجز على تكريرها ثلاث مرات، تنطبق أيضًا على عدد هذه التفعيلات غير الثابت: إذ أن هذا البحر ورد في الاستعمال -دون سائر البحور- (مشطورًا) ، أي أن بيته يتألف من ثلاث تفعيلات فقط، وورد (منهوكًا) على تفعيلتين فقط في البيت، وقد يبنى البيت تامًا على ست تفعيلات في شطرين متساويين على نمط القصيد، وقد يستعمل هذا البحر التام مجزوءًا باستعمال تفعيلتين فقط في كل شطر من بيته، وهكذا نجد بحر الرجز هذا مضطربًا اضطرابًا كبيرًا في إيقاعه الداخلي وفي شكله الخارجي معًا، مما يقربه من لغة النثر إلى حد بعيد.