5-وأن الرجز في بداية أمره -وحتى أواخر الجاهلية- كان الرجل يقول منه البيت والبيتين والثلاثة، وسمة القصر هذه يتفق عليها العلماء بالإجماع، وسبب ذلك أن المرء كان ينفِّس؛ بهذه المقطعات القصيرة والأبيات اليسيرة، عما يعتلج في صدره من الهواجس والعواطف والانفعالات والمشاعر الجياشة، فينفث ذلك على لسانه في هذا الشكل من أشكال التعبير الجميل عن النفس، وغالبًا ما كان هذا التعبير مرتبطًا بمواقف قوامها النزاع: كالحرب، والخصام، والمبارزة، والمشاتمة، والمفاخرة (52) ، وربما كان الناس يترنمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به" (53) ، أي أن موضوعات هذا الرجز كانت محدودة ضيقة حتى كان الأغلب العجلي (54) "أول من قصّد الرجز، ثم سلك الناس بعده طريقته" (55) ، فكان أول من شبَّه الرجز بالقصيد وأطاله (56) ، ثم قيِّض له في العصر الأموي رُجَّاز- كالعجاج (57) وابنه رؤبة- فاختصوا به وأطالوه إطالة عظيمة لم يكن قد بلغها من قبل، ولم يبلغها بعد ذلك، فنافسوا به شعراء القصيد في أغراضهم وموضوعاتهم التقليدية المختلفة (58) ، وأعطوه شخصية لم تكن له من قبل. ويمكن أن نستنبط من قصر الرجز في الجاهلية أنه كان شديد المشاكلة للنثر المسجوع الذي تتكرر فيه السجعة الواحدة ما بين مرتين إلى أربع مرات متواليات كما مرَّ بنا في سجع سطيح الكاهن."