سطيح: رجل من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه آخر الدهر.
ربيعة: وهل للدهر من آخر؟
سطيح: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون.
ربيعة: أحق ما تخبرني؟
سطيح: نعم، والشَّفَق والغَسَق، والفَلَق إذا اتَسق، إن ما أنبأتك به لحق.
ثم إن هؤلاء الأفراد القلائل تنبهوا على ظاهرة مهمة أخرى في اللغة تتعلق بإيقاع موسيقي ذي نسق وتناغم ينتج عن اجتماع بضع كلمات في متن الكلام، ويشعر سامعه بشيء من الطرب والارتياح له، فرأوا أن يستخدموه أداة للتعبير في كلامهم بدل المنثور المتوج بالسجع، فاجتمع لديهم (الإيقاع) و (السجع) معًا، وقد عرف هذا السجع فيما بعد باسم (الروي) أو (القافية) ، وعرف هذا النثر المسجوع الموقع بـ (الرجز) ، وهو في واقع الأمر أبسط البحور الشعرية العربية على الإطلاق، وهو أقربها في الوقت نفسه إلى النثر، وألصقها بموسيقى الكلام العادي. وقد تبينت لنا أمور كثيرة ترجح كلها إمكانية كون هذا البحر أول البحور التي عرفها الشعر العربي وأقدمها تداولًا، منها:
1-أنه مبني على تكرير تفعيلة واحدة هي (مستفعلن) ثلاث مرات، وتكرير التفعيلة الواحدة هو أبسط الوجوه أو المراحل لنشأة بحور الشعر العربي.
2-وأن زحافاته التي يطرأ على هذه التفعيلة كثيرة في الحشو والعروض والضرب (41) ، مما يقربها من إيقاع النثر ويسهِّل استعمالها، وقد لاحظ فيه الناس لذلك خصوصية (الاضطراب) ، حتى قيل إن اسمه مأخوذ من قولهم:"ناقة رجزاء، إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها أو داء، فلما كان هذا الوزن فيه (اضطراب) سمي رجزًا تشبيهًا بذلك" (42) ، ولهذا -في أغلب الظن- وصفه أبو العلاء بأنه من"سفساف القريض" (43) ليسره وسهولة نظمه، وأخرجه بعض العلماء من حلبة الشعر أصلًا (44) .
3-وأنهم ذكروا (الرجز) في مقابل (القصيد) على أنهما حقلان مختلفان، فقال الأغلب العجلي مثلًا (45) :
أ (رجزًا) تريدُ أم (قصيدا)