فهرس الكتاب

الصفحة 9432 من 23694

و لابد من أن تكون هذه الظاهرة من نظام التشابه في مفردات اللغة قد أدهشتهم، فشدتهم إلى استغلالها، فعمدوا إلى توشيح كلامهم بهذه الظاهرة الفنية الأولى، واستخدموا هذا التشابه الصوتي خاتمة لكل عبارة من عباراته ليكون حلية موسيقية ذات إيقاع يشد انتباه السامعين ويمتعهم، ويزيد من قدرتهم على التأثير في نفوسهم وأشعارهم بتميزهم منهم في طريقة حديثهم التي ربما عجز كثير منهم عن تقليدها بيسر، إذ أن من راض نفسه طويلًا على شيء يكون أقدر عليه من غيره، وعلى ذلك بني كلام الكهان من عرب الجاهلية (33) ، ونسوق لذلك مثلًا من نماذج هذا الاستخدام، الممتزج بنوع من الجلال، هو ذلك الحوار الذي دار بين (سَطيح الكاهن) و (ربيعة بن نصر) ملك اليمن في تأويل رؤيا كان الملك قد رآها فهالته كل الهول، ونصه (34) :

ربيعة: إني رأيت رؤيا هالتني وفَظِعتُ بها (35) ، فأخبرني بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها.

سطيح: أفعل، رأيت حُمَمَةً (36) ، خرجت من ظُلُمة (37) ، فوقعت بأرضٍ تَهَمةٍ (38) ، فأكلت منها كل ذات جُمجُمَةٍ.

ربيعة: ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟

سطيح: أحلف بما بين الحرَّتين من حَنش، لتهبطن أرضكم الحبش، فلتملكنَّ ما بين أبيَنَ (39) وجُرَش (40) .

ربيعة: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني هذا أم بعده؟

سطيح: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين.

ربيعة: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟

سطيح: لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين.

ربيعة: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟

سطيح: يليه إ'رم ذي يَزَنْ، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن.

ربيعة: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟

سطيح: لا بل ينقطع.

ربيعة: ومن يقطعه؟

سطيح: نبيّ ذكيٌّ، يأتيه الوحيّ، من قِبَل العَليِّ.

ربيعة: ومن هذا النبي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت