ونحن نؤمن بسنة الارتقاء الطبيعي التدريجي من البسيط إلى المعقد، ونرى أنها تنطبق على الظواهر الفكرية ومنجزاتها، وعلى اللغة ومظاهرها الفنية المختلفة، كما تنطبق على الظواهر المادية نفسها في الطبيعة، ونرى بالتالي أن النثر العادي أو لغة التخاطب قد تهذبت بمرور الزمان وأخذت تتصفى من الشوائب على يد بعض أبناء هذه اللغة من مرهفي الإحساس الذين يتمتعون بمواهب فنية خاصة، فانتقلوا بتلك اللغة إلى المستوى الأول من مستويات الفن، ونعني به ظاهرة (السجع) (29) التي لا تنتج عفو الخاطر أثناء الحديث اليومي المعتاد الذي لا تروّي فيه، بل لا بد فيها من وقفة واعية لاختيار الكلمات المناسبة اختيارًا، ولا بد فيها من شيء من التعمل الفكري الذي يتكلفه المرء تكلفًا عن عمد وإدراك لجمالية هذه الظاهرة. ونرى أن هذا السجع قد تطور، بدخول شيء من الإيقاع الموسيقي البدائي السهل في جمله، إلى المستوى الفني الثاني متمثلًا ببحر (الرجز) (30) ، ثم نشأت على نمطه أوزان أخرى تتألف من تكرار تفعيلة واحدة، ثم أوزان أخرى أعقد تتألف من تكرار تفعيلتين مختلفتين، ثم أوزان أعقد منها وأكثر تطورًا نشأت من تكرار ثلاث تفعيلات مختلفة.
وبيان ذلك أن الإنسان البدائي بلغ من ثراء اللغة وتنوع مبانيها وصيغها على شتى الأوزان، ومن دفق هذه اللغة الإيقاعي، حدًا لفت انتباه قلة من أبنائها الموهوبين، فلمسوا فيها ظاهرة فريدة لها علاقة بالإيقاع، وهي أن كثيرًا من كلمات هذه اللغة تنتهي بحرف مشترك واحد، أو بحرفين متشابهين، أو بثلاثة متشابهة مشتركة (31) ، سواء أكانت الكلمة اسمًا في حالة من حالاته الخمس (32) ، أم فعلًا في حالة من حالات تصريفه المختلفة.