فهرس الكتاب

الصفحة 9430 من 23694

وهكذا فإن تجريد طه حسين الشعراء البدائيين القدماء من غريزة التفكير التي يزعم أنها تقف وراء النثر بعد تطور الحضارة، يتناقض مع قدرة أولئك الشعراء على صوغ أفكارهم ومعانيهم، سواء عبَّرت عن العواطف أم عن العقل، في تلك القوالب ذات الإيقاع المنتظم المقيد بقوافٍ معقودة لا يمكن أن تصدر وحدها عفو الخاطر من غير كد الذهن وإعمال الفكر في اختيارها وانتقائها لتناسب المضمون (22) وهذه عملية أكثر تعقيدًا من صوغ أولئك الشعراء المعاني والأفكار نفسها في كلام منثور غير مقيد بإيقاع ينتهي كل مقطع منه بسجعة ترد مرتين أو ثلاثًا على التوالي، ثم تتغير بسجعة أخرى، والسجع بطبيعته أكثر تعقيدًا على المتكلم من التعبير عن المعاني والأفكار نفسها بكلام منثور مرسل بلا إيقاع ولا سجع: فكيف يعجز البدائيون إذن عن أبسط طرائق التعبير الفني باللغة عن عواطفهم ومشاعرهم (23) ، ثم يستسهلون في الوقت نفسه ما هو أعقد من ذلك وأوعر؟

يبدو لنا من هذا المنطق تهافت رأي طه حسين في رده على القائلين بسبق النثر الفني للشعر في الظهور، على الرغم من استشهاده بحالة اليونان والرومان والأمم الغربية الحديثة والأمم الوحشية والبدوية والأرياف المصرية (24) ، وعلى الرغم من استشهاد وليم مارسيه بحالة الطوارق مثلًا (25) ، لأن القاعدة تظل صحيحة تنطبق على هذه الحالات جميعًا، غير أن السر الذي أغلق على طه حسين حقيقة الأمر، مع أنه قد تلمسه (26) ، بسيط جدًا يكمن في (الكتابة) التي تعد وسيلة الناس الوحيدة لحفظ منثورهم الفني، وقد فطن لذلك نالينو الذي نبه على أهمية"صناعة الخط"في حفظ النثر، وأعطى -بالمقابل- الوزن والقافية الأهمية نفسها التي ذكرها القدماء لحفظ الشعر وروايته (27) ، وأشار وليم مارسيه نفسه إلى أهمية هذه الكتابة (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت