وحجَّته في سبق الشعر للنثر إلى الوجود هي أن هذا"الشعر متصل بالحسِّ والشعور والخيال" (19) ، فهو ينبعث عن الحياة الإنسانية"انبعاث الضوء عن الشمس، والعطر عن الزهرة" (20) ، وهذا يعني، في رأيه، أن هنالك ضربًا من التلازم الحتمي بين طبع الإنسان إنسانًا وبين قول الشعر، وكأنّ البدائيين جميعًا بلا استثناء شعراء بالفطرة، وكأن نمو العقل البشري وتطوره الفكري يلغي الشعر ويعطله، وهذا مخالف لواقع الحال، إذ أن طه حسين يستبعد كون الشعر في الأصل نتاج موهبة فنية يختص بها بعض الأفراد ذاته بمستوى التعبير الشعري إلى درجات أعلى من حيث المضمون ولغة التعبير، وأما النثر -عنده- فهو"لغة العقل ومظهر من مظاهر التفكير، تأثير (الإرادة) فيه أعظم من تأثيرها في الشعر، وتأثير (الروية) فيه أعظم من تأثيرها في الشعر أيضًا (21) ، وبذا ينفي عن هؤلاء الشعراء البدائيين صفات (الوعي) بعملية الإبداع الشعري، و (الأناة) في نسج الشعر، و (الجهد) المبذول في إنتاجه، وكأن هؤلاء الناس مجردون من العقل والإدراك، فهم يفرزونه أو قل إنه يتدفق منهم بلا إرادة ومن غير أن يكون لأحدهم أي دخل فيما يقول من شعر، فهو يصدر عنهم تلقائيًا وعفويًا كما يصدر الضوء عن الشمس أو العطر عن الزهرة."