ويتضح لنا من عرض هذه النظرية أن نالينو يرى الكلام ثلاثة مستويات هي حسب تواليها التاريخي في الظهور:
1-النثر المرسل المعتاد.
2-الشعر.
3-الإنشاء المنمَّق (أي النثر الفني) .
والشعر -عنده- أداة للتعبير عن العواطف، فهو من هذه الناحية غارق في الذاتية، ويتم هذا التعبير بـ"لا تفكُّرٍ وتعمُّد"على حد تعبيره، وله اتصال وثيق بقوة التصوير الخيالي، أما النثر الفني المنمَّق فهو أداة التعبير عن العقل، وموضوعه الفكر والواقع.
ومثل هذا التوظيف الحاد لكلٍّ من لغة الشعر ولغة النثر بهذه البساطة هو في رأينا مدفوع، لأن النثر الفني المنمَّق ليس أقل تعبيرًا، في كثير من الأحوال، عن أدق مشاعر الإنسان وعواطفه القلبية وبكل قوة وصدق، وليس هنالك شيء يُعبَّر عنه بالشعر إلا ويمكن للنثر أن يعبر عن مثله، وليس هنالك من صورة في الشعر إلا ويكون النثر أقدر على تصويرها ووصفها في كثير من الأحايين، لأن الشعر لغة معقَّدة ومقيَّدة، أما النثر فلغته مبسَّطة وأكثر حيوية وأقدر على الحركة، ولذا فإن قدرته على التعبير تظل أرحب مجالًا من قدرة الشعر. وسنبحث هذه النظرية ونبيِّن رأينا فيها من خلال امتداداتها عند طه حسين خاصة، لأنه كان التلميذ الأمين لها والمنافح القوي عنها في كل كتاباته التي تناول فيها هذا الموضوع (10) ، وهو يمثِّل بحقٍّ جيل المرحلة التاريخية التأسيسية في تاريخ دراساتنا الخاصة بالأدب العربي: هي مرحلة التلمذة على آراء المستشرقين الغربيين والتبعية لها والدفاع عنها (11) .
يستعرض طه حسين النظرية مُسلِّمًا بسبق الشعر للنثر في الظهور، كما وردت عند نالينو تمامًا، من غير أن يشير إلى مصادره التي استمد منها أو تأثر بها (12) ، كما كانت عادته في أكثر بحوثه وكتاباته، وقد اتبعه في القول بهذه النظرية خَلقٌ غير قليل من الباحثين العرب المحدثين (13) .