ولعل أول من أوحى بهذه الفكرة في الأدب العربي خاصة هو بروكلمان C. Brockelmann، حين أثار في فصلّي: (أولية الشعر) و (قوالب الشعر العربي) قضية أصل الشعر عند الإنسان عامة انطلاقًا من أغاني العمل الجماعي ذي الحركات الطبيعية المنتظمة (3) ، ثم أضاف يقول:"ينبغي أن يكون أقدم القوالب الفنية العربية هو السجع، أي النثر المقفى المجرد من الوزن" (4) ، و"السجع هو القالب الذي كان يصوغ العرافون والكهنة فيه كلامهم وأقوالهم" (5) ، و"ترقى السجع إلى بحر الرجز المتألف من تكرار سببين ووتد" (6) ، ثم يتوصل إلى القول:"ومن الرجز نشأ بناء أبحر العروض على مصراعين وقافية في الثاني" (7) . ومعنى ذلك أن الشعر جاء مرحلة فنية لاحقة متطورة عن مرحلتين هما:
السجع والرجز. والأول يعد حتى عصور متأخرة من تاريخ النثر العربي مدرسة فنية رفيعة ومذهبًا أدبيًا بارزًا تبارى في حلبته الكتَّاب والأدباء. غير أن بروكلمان لم يشرح خُطا هذا التطور من الوجهة التطبيقية.
ويذهب المستعرب الإيطالي كارلو نالينو C. Nallino ، في محاضراته التي ألقاها بالعربية في الجامعة المصرية سنة 1910-1911 (8) ، مذهبًا مغايرًا لما ذهب إليه بروكلمان، يلخصه بقوله:"إن ابتداء الآداب عند كل أمة كان بالشعر، مع كون الكلام المرسل المعتاد أقدم من المنظوم بكثير، وذلك أن (الكلام العادي) لا يأخذ بمجامع القلوب، فليس كفيًا بالتعبير عن حميَّا العواطف وشدة الطرب... وبما أن القوة الخيالية عند كل أمة غلبت أولًا على القوة الفكرية والنظرية، ومال الإنسان إلى ما استحسنه قبل ميله إلى إدمان الفكر في الأشياء، (فـ) لا عجب في سبق الشعر لسائد الفنون الأدبية المستظرفة. أما (الإنشاء المُنمَّق) البعيد عن (الكلام المرسل المعتاد) فلم ينشأ إلا وقت بلوغ الأمم درجة أعلى في سير ترقيها في المدنية والآداب" (9) .