ويذكر ابن خلكان (15) أنها سميت جزيرة لأن دجلة محيط بها، وينقل عن الواقدي أن الذي بناها رجل من أهل برقعيد (16) يقال له عبد العزيز بن عمر وهو الصواب كما يقول. في هذه الجزيرة نشأ مجد الدين، وفيها شبّ وترعرع، وتلقى دروسه الأولى في مدارسها (17) على أيدي كبار علمائها ممن كان لهم معرفة وافرة باللغة العربية وآدابها ودراية كبيرة بعلوم الدين. فقرأ النحو والأدب والفقه وسمع الحديث. ثم انتقل إلى الموصل (18) سنة خمس وستين وخمسمائة وسكن بدرب دراج (19) . وهناك أخذ ينهل العلم من شيوخها، ويتلقى المعرفة من أساتذتها، ويتشرب الثقافة من مناهلها، فأخذت معرفته تنمو، وثقافته تغزر، وعلمه يتأصل، وشخصيته تنضج، فظهر فضله، وعلا قدره، وذاع صيته، واشتهر أمره، وعرف بعلمه وورعه وتدينه وحسن سيرته. وأقبل عليه الناس للقراءة والانتفاع.
تنقل أبو السعادات بين الجزيرة والموصل وزار الولايات، وقدم بغداد حاجًا وسمع بها جماعة من المتأخرين (20) . ثم عاد إلى الموصل واستقر بها. إلى أن وافاه الأجل يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة هجرية (21) . ودفن برباطه بدرب درّاج (22) ، بعد مرض عضال أصيب به قيل إنه داء النقرس (23) وقيل إنه الفالج (24) ، ومهما يكن فقد أقعده هذا المرض في آخر زمانه، فكفّ يديه عن الكتابة، ومنع رجليه من الحركة وصار يُحمل في محفة (25) . فانقطع في بيته يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطًا بقرية من قرى الموصل تسمى (قصر حرب) وجعله رباطًا للصوفية، ووقف أملاكه عليه، وعلى داره التي يسكنها بالموصل.
شغل مجد الدين بن الأثير منزلة رفيعة عند أمراء الموصل بفضل ما أوتي من علم ومعرفة وما تمتع به من شخصية مميزة لفتت إليه الأنظار، وما اشتهر به من ورع وتدين، وما عرف به من صدق وصلاح وأمانة، فقربه ذوو السلطان، وأسبغوا عليه المناصب الرفيعة.