ومع أن الرجل لم تكن له اهتمامات بالعلم واشتغال به والتصنيف فيه، إلا أنه أنجب عددًا من الأولاد هيأ لهم سبل العلم، ووفر لهم مستلزماته فنبغ بينهم ثلاثة أثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم. وتركوا بصمات واضحة تشهد على عبقريتهم، وكان أكبرهم مجد الدين موضوع بحثنا وقد اختار الحديث والفقه واللغة، والثاني عز الدين المتوفى سنة 630هـ بالموصل وقد تخير التأريخ فأبدع فيه كتاب الكامل، والثالث ضياء الدين المتوفى سنة 637 هـ ببغداد الذي آثر البلاغة وصناعة الإنشاء فأبدع كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر.
في كنف هذه الأسرة التي عاشت في بحبوحة وتهيأ لها من أسباب الثروة والجاه ما تطمح إليه الأنفس، وتتشوق إليه القلوب، وترنو إليه الأبصار، ولد عالمنا مجد الدين وكانت ولادته في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة هجرية، إلى ذلك ذهب معظم من ترجم له، خلا أبا شامة (11) الذي ذهب إلى أنها كانت سنة أربعين وخمسمائة وتبعه في ذلك ابن تغري بردي (12) .
ومهما يكن من أمر، فقد أجمعت المصادر على أنه ولد بجزيرة ابن عمر. وهي بلدة صغيرة في إقليم الجزيرة -يومئذ- على الشاطئ الغربي لدجلة شمالي الموصل. وهي مدينة مسوّرة، اختطها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي (13) على ما ذكره ياقوت (14) .