عرف أثير الدين بسداد الرأي ورجاحة العقل والحكمة والدهاء والعفة والابتعاد عن الجشع. روى ابنه عز الدين ما دار بينه وبين قطب الدين فقال (7) نقلًا عنه:"دخلت إليه مرة فسألني عما أتولاه من الأعمال وأحوال الرعية فيها، وأنا أخبره عما سألني عن القرايا التي بها خاصة ومن يتولى قسمتها واستخلاص أموالها. فقلت له: أنا أفعل ذلك بنفسي. فقال: وما الذي قُرر لك عليها في مقابل تعبك؟ فقلت: لي من أنعام مولانا ما لا حاجة لي إلى تقرير شيء آخر، ثم المقرر لي من الجامكية (8) والرسوم، إنما هو على أعمالي من جملتها هذه القرايا. فقال: لا يجوز تتعب بغير فائدة. ثم أمر لي بعمالة خاصة جميعها في بلاد الجزيرة، ولما خرجت رأيتها كثيرة يحصل منها ما يزيد على سبعمائة دينار أميري، وليس لي بها من العمل كثير أمر، فقلت في نفسي: ربما لا يعلم مقدارها، فإذا علمه يظن أنني اغتنمت غرته، فأرسلت له مع صاحبه أقول له: إن هذه العمالة يتحصل منها في هذا الرخص كذا وكذا دينارًا، وأنا أقنع ببعض ذلك. قال: فلما سمع قولي ضحك وقال: هذا كلام رجل عاقل والجميع له. كذلك عرف أثير الدين بحبه لأهل جزيرته وبالوفاء والإخلاص لرؤسائه، ذكر ابنه عز الدين المؤرخ على لسانه أنه قال: استدعاني قطب الدين يومًا وهو بالجزيرة -وكنت أتولى أعماله- فلما حضرت عنده قال: بلغني أنك تهمل هذه الجبايات ولا تحفظها، فقلت: إني أعجز عن حفظها لأني أكون في بيتي والدردار (10) يفعل في القلعة ما يريد، ثم التفاوت ليس بعظيم، وأخاف من الاستقصاء فيها لو دعي على بعض هؤلاء الملوك -وأومأت إلى أولاده- لكان شعرة منه تساوي الدنيا وما فيها، ولنا مواضع تحتمل العمارة يتحصل منها أضعاف هذا، فقال: جزاك الله خيرًا نصحت وأديت الأمانة، فأسرع في عمارة هذه الأماكن التي تتحمل العمارة. قال: فقفلت وقد كبرت منزلتي عنده ولم يزل يثني عليّ."