وحب الله لعبده يتطابق سببه وسبب حب العبد لله. هذا ما يتكلم الغزالي عنه في (بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده(98 ) ) .
وفي الحق أن الغزالي يوحد بين القرب وبين السبب الخامس من أسباب حب الإنسان لله. وذلك هو (المناسبة) أو (المشاكلة) الداخليتان (99) والغزالي يميز بذلك بين حب الذات وحب العَرض الدنيوي. فالقرب يحقق إذن مبادلة في الحب. وعندما يتحقق في الزمان حب الله لعبده فإنه لا بد أن يصحبه حب هذا العبد له، فهما حبان متبادلان بالضرورة، ومع ذلك فليس في طبيعة حب الله لنفسه ما يوجب تبادلًا في الحب.
غير أنه إذا كانت المناسبة بين صفات المحب والمحبوب تزودنا ببعض الدلالات عن طبيعة الحب البشري فإنه ينبغي الاحتراس من تقرير أن الله -في مقابل ذلك- يحب انعكاس صفاته الذاتية في الإنسان أو أنه يحب الكمال، فهناك الكثير مما يغري بمثل هذا الظن لأن ما يحقق حب الله للعبد يرجع إلى اكتساب العبد الصفات (ومنها الأخلاق) التي تقربه نحو المزيد من الكمال. فالإنسان يمكن أن يكون جزءًا من علة تقربه، لكن التقرب يمكن أن يقدره الله -حسب مشيئته- ليكون سببًا لحبه للعبد.
وهكذا فإن مجرد كون الكائن صادرًا عن الله يحظيه بحب الله له ضمن مفهوم حب الله لنفسه، وهذا لا يتوقف على الإنسان. فالله يحب صنعه هو، والله -في مقابل ذلك- هو بحبه للعبد محب ومحبوب. والقربات التي يفعلها العبد هي سبيل ذلك... والتبادل والاصطفاء هما ما يميز حب الله لعبده في وجهيه الأزلي والحادث. فهناك إذن حبان عند الله لا حب واحد، مختلفا الطبيعة متميز كل منهما عن الآخر، والخلاف بينهما لا يمكن النظر إليه على أنه خلاف بين وجهين من النظر إلى حقيقة بعينها (100) . إنهما لديه معًا ولا يمكن النظر إلى هذا التواجد على أنه يحمل أي معنى من التناقض، فالتناقض منعدم في حق الله.