ويتضح معنى الحادث في إطار هذا التقابل إذ هو يضيف معنيي الحدوث في الزمن والإمكان. ففي الحق أن حب الله لعبده يأتي عن سبب هو تقرب العبد بالنوافل (85) وهذا في ذاته سبب يحدث في الزمن ذلك أنه لكي يتحقق هذا السبب يفترض وجود الإنسان الذي يتقرب. أي وجود الخلق. إن الحب الإلهي المرتبط بإرادة الاصطفاء ينال العبد المؤهل للعبودية (الموجود بالقوة) ثم يصبح حبًا للعبد المتحقق بالعبودية (الموجود بالفعل) عندما يقع القرب.
على أن التقابل بين الحادث والأزلي لا يدل على ازدواج أو تناقض ضمن حب الله للعبد. وهذا التناقض لو وقع لكان معناه أن يكون الحب مخلوقًا (أي غير موجود قبل أن يكون) وغير مخلوق، وكيف لنا مع مثل هذا الافتراض أن نتمثل في أذهاننا شيئًا يكون إلهيًا ومخلوقًا أو شيئًا مخلوقًا وغير مخلوق في آن واحد، على أن كون وصف إلهي ما حادثًا في الزمن (الحب هنا يتلو القرب) لا يكفي لنفي أزلية هذا الوصف ولا ينفي أن هذه الأزلية لا تستوجب ظهوره في الزمن وهكذا فإن الله متكلم في الأزل ومع ذلك فهو لم يخاطب موسى إلا عندما سمع الكليم ربه سماعًا حقيقيًا (86) والله مريد في الأزل، يحب نفسه منذ الأزل وإن كان هذا الحب لا يتجلى إلا في زمن ما بواسطة التصانيف (87) . وهكذا فإن حب الله للعبد له وجوده المستقل عن كل تجل له في الزمن فهو له وجوده حتى عندما لا يبدو في حيز الحدوث.
فهل ينبغي أن نمضي إلى أبعد مما تقدم لنرى أن الحب الأزلي الذي يحب الله عبده به لا علاقة له بالحب الواقع في الزمن فحب الله للعبد عندما يقع في الزمن يبدو نتيجة لسبب بشري هو القرب (88) .
ثم إنه لا يبدو أمرًا مفهومًا أن يكون سبب بشري قادرًا على أن يوجد شيئًا أو فعلًا منعدمًا من قبل وذلك حسب المذهب الأشعري بشأن السببية الفاعلة. وإذن فنحن بإزاء مظهرين لحقيقة واحدة.