فإذا انتقلنا من هذه العبارة المتعلقة بحب الله لنفسه فإننا نرى الغزالي في سائر البيان يؤثر بوجه عام أن يتحدث عن الله وحبه للعبد بجمل سلبية (منفية) وهذا ما يجعل البناء التدريجي لمعنى حب العبد لله، ثم اللجوء إلى بعض صفات الطبيعة البشرية التي يختلف عنها كل ما يتعلق بالله كل الاختلاف- يؤلفان بنية النص ("هذا محال على الله تعالى"، الخ...(81 ) ) .
ولكن مع أن المؤلف لم يعبر عن فكرته إلا ضمن حدود معينة أقامها فإن المرء سيلاحظ مزايا حب الله لعباده. وهي مزايا تختلف في طبيعتها عن حب الله لنفسه.
إن حب الله لنفسه وحبه لما سواه على أنه صنعه، هما مرتبطان، ومعنى ذلك أن كل الكائنات التي من صنع الله متعلقة بالصانع ومتمتعة بحبه، والحب الإلهي الأنوي يشمل كل الكائنات الصادرة عن الخالق. فلهذا الحب إذن إزاء هذه الكائنات حد أقصى من الشمول وهو ليس مقيدًا بسلوك خلقي معين يسلكه الإنسان أو بقربات يؤديها.
والسوى الذي يتجه إليه الحب الأنوي لله يعبر عنه الغزالي بهذا اللفظ العام: التصانيف، ولكنه في سائر عبارات البيان يدل على موضوع الحب الإلهي بلفظ: العبد، غير أن العباد الأخيار لا يمثلون ضمن مجموع الخلق إلا فئة معينة، فليس كل كائن وليس كل إنسان عبدًا لله بهذا المعنى: معنى الخير (82) .
ليس حب الله لعباده مقيدًا فحسب ولكنه كذلك اصطفائي فهو في الحق لا ينال إلا الذين اصطفتهم الإرادة الإلهية منذ الأزل، ويبدو هذا الطابع التمييزي للاختيار في هذه العبارات:" [...] الإرادة الأزلية التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب" (83) .
وضروري أن نفهم العلاقة بين الإرادة وبين الحب الذي أضيف إلى الإرادة (84) : إنهما أمران متميزان من حيث هما وصفان لله ولكنهما يوجدان معًا في فعل حب أساسه الاختيار والاصطفاء. فحب الله الموجود من قَبْل الخلق هو حب يتصف بالأزلية.
إن تعبيري: حادث وأزلي يتقابلان في النص ويميزان كلاهما حب الله لعبده.