أقول: إن العالم يمثل كمال صفات الفاعل (75) وأن الله يرى فيه نفسه ويحب فيه نفسه خالقًا إياه وهكذا يبدو لنا نوع من ظهور الله في العالم إذا أمكن أن يوصلنا العقل إلى معرفة الصفات الإلهية.
الحب الاصطفائي والحب المتبادل وحسنات العباد:
أشار الغزالي إلى حب الله لنفسه ثم لم يلبث أن عاد لبحث حب الله لعبده (76) ولكنه -كما يفترض أنه غرض البيان كله- حرص أن يعطي معنى هذا الحب دون أن يتعرض بشكل ما لطبيعته وهذا عكس ما فعل عند تعريفه حب العبد لله في البيان نفسه"وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى..." (77) لأن الغزالي لا يتكلم على هذا الحب عند الله كلامًا مباشرًا وهو يركز حديثه على الألفاظ المعبرة عن الحب ولا يركزه عن الحب نفسه. ثم إن هذه الألفاظ إنما هي صور تحتاج إلى تأويل ("هو مؤول"(78 ) ) فمن أراد أن يبلغ شيئًا عن حقيقة الحب فعليه أن يتجاوز المعنى الظاهر والقريب. ومن هنا كانت الجمل المتعلقة بحب الله لنفسه لا تقتضي تأويلًا.
وعندما ينتقل الغزالي إلى مسألة المعنى يعرف حب الله لعباده بأنه الأفعال المتعلقة بالحب والمظاهر التي يتجلى بها (79) ويبين سبب هذا الحب راويًا حديثًا قدسيًا: (لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه...) كما يبين بواسطة مثل يمثله للعلاقة بين رفع الله الحجاب عن العبد وبيَّن حبه له. وكذا بين اكتساب العبد للخصال التي يقتضيها رفع الحجاب عن العبد وبين حب الله له، وهذا المثل هو مثل الملك وعبده... ("وإذا رفع الملك الحجاب... يقال... وإذا اكتسب من الخصال... يقال..."(80 ) ) وهكذا ينتقل في عرض المثل من الحادث الواقع إلى ما يقال تعليقًا عليه لإبراز مغزاه.