فهرس الكتاب

الصفحة 9304 من 23694

وللجواب عن ذلك ينبغي إيضاح معنى كلمة"تصانيف" (55) التي استعملت استعمالًا مجازيًا للتعبير عن حالة الغيرية في الوجود (56)

وفي الحق أن تحديد قيمة هذا المعنى يمكن أن يتم بوضعه في إطار وجودي (أنطولوجي) هو إطار وحدة الوجود التي يشير الغزالي إليها من قريب أو من بعيد عند استعماله لما ذكرناه من مجاز (57) وفي عبارتيه المتعلقتين بحب الله لنفسه (58) .

الله هو الموجود الحق الأوحد (ليس في الوجود إلا الله) (59) لأنه الموجود الأوحد الذي لا يكون في احتياج لسواه في وجوده (القائم) والذي يقوم بأمر عباده (القيوم) (60) فالكل منه وإليه"الكل منه مصدره وإليه مرجعه) (61) ."

وعندما يحب الله"تصانيفه"مرادًا بها كل ما سواه في الوجود (62) - عندما يحبها حب من صنع لما صنع (وهذا ما يبين من المجازات الآنفة الذكر) فإن هذه التصانيف التي لا وجود لها ذاتيًا ليس من أثر لها إلا أنها تمثل لله ذاته صانعًا ومصدرًا للصنع (63) فالصنع إذن هو ما يجعل أن الله هو المحب وهو المحبوب (64) فهو يحب نفسه ويحب الموجودات التي يصدر وجودها عنه- على أنه هو مصدرها.

فكلمة"تصانيف"تدل على ما سوى الله من حيث تبعية هذا السوى الوجودية للقائم القيوم فالوضع والصلة الأنطولوجيان المقصودان يمثلان الموجود الأول الصادرة عنه الموجودات الثانوية ويمثلان الموجودات الثانوية نفسها (التصانيف أو التوابع) (65) .

وليس في هذه العبارات الخاصة بوحدة الوجود وبحب الله لنفسه (66) -حديث عن الخلق. وكان أسهل أن يدل الغزالي على هذه الموجودات الأخرى بكلمة الخلق لو أن ذهنه كان متجهًا إلى هذا الوجه الميتافيزيقي الأنطولوجي وإنما اختار تعبيرًا آخر هو التصنيف والتصانيف واستعمله بطريقة تحمل مزيدًا من الغموض بما فيها من مجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت