فهرس الكتاب

الصفحة 9303 من 23694

"لا يمكن وجود رغبة لدى الكامل القائم بنفسه (يعني الله) فيما هو غير ذاته فالله لا يحب مخلوقاته وأعمالهم إلا من حيث هم يمثلون أفعاله فمن لا يحب إلا أعماله فهو لا يحب إلا ذاته" (50) .

وفكرتا القيام بالنفس والكمال الإلهيين ينبغي وصلهما بالمسعى الهادف إلى صون فكرة التنزيه التي هما من جوهرها. وحب الله لنفسه ليس من نوع الأفكار التي يمكن إدراكها أو التفكير فيها بالاعتماد على مقولات هذا العلم الكلامي المصطبغ بالفلسفة بل إن هاتين الفكرتين توجهاننا إلى صيغة فكرية يكون الله فيها موضوع حبه وبذلك يكون الانتقال البادي في النص من العبارات الدالة على التنزيه إلى العبارات الدالة على حب الله لنفسه انتقالًا ميسورًا وذلك بواسطة هذه الجملة الرابطة"فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث.." (51) ولكن هل تكفي هاتان الفكرتان لتحديد ما يرد بعد؟ فهذه الصفات جديرة أن تسهم في وضع تحديد آخر لحب الله الأنوي أي الحب الذي ينطلق من الذات ويعود بالضرورة إليها. فالقيام بالنفس لا يمنع وجود كرم آت عن فيض من الحب (52) . ثم أن البيان الذي نحن بصدد درسه لا يقتصر الحديث فيه على حب واحد وإنما يرد فيه الحديث عن نوعين من حب الله يرد ذكر أحدهما في النص تلو الآخر.

وعن معنى حب الله لنفسه وعن وجود هذين النوعين من الحب لديه سيكون مدار الحديث منذ الآن.

الحب الإلهي أنوي وشامل:

يقدم النص لنا منذ البدء حب الله لنفسه في صورة تكاد تنذر بالتناقض (53) فهو يقدمه حبًا ينبسط ويشمل موضوعات كثيرة ويقدمه كذلك حبًا يخص الله به نفسه وسواه في آن واحد وبحب واحد هو حبه لنفسه فكيف يمكن ألا يحب الله إلا نفسه ويحب سواه في الوقت نفسه. وكيف يمكن أن يكون حب لواحد حبًا لكثرة. ويزداد ظن التناقض قوة عند قراءة عبارات الشيخ أبي السعيد التي تؤكد حقيقة هذا الحب:"بحق يحبهم..." (54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت