إن وحدة الله في الوجود وحبه لنفسه بالمعنى الذي هو فيه المحب والمحبوب معًا- نوعان من المعرفة يقعان في المرتبة الرابعة من التوحيد فلا يتم بلوغهما إلا ببلوغ حال الفناء (42) . وكون العبد لا يرى سوى الله (أو ألاّ يكون ثم إلا موجود واحد هو الله) يرتبط ارتباطًا وثيقًا بألا يرى العبد نفسه أو بأن يكون بالنسبة إلى نفسه عدمًا (43) والفناء يمثل جزءًا من أنماط المعرفة في الطريق الصوفية (44) التي سبق أن ذكرنا أن الغزالي يحددها تحديدًا منهجيًا مميزًا إياها عن غيرها من طرق المعرفة: النظر والتعلم أو دراسة العلم (45) .
وفي الحق أن الغزالي قد عالج في بحثه المفصل لمراتب التوحيد الأربع في الاحياء (46) كلا من هذه المراتب منطلقًا من هذين السؤالين: من المعتقد وماذا يعتقد ومن الذي يرى وماذا يرى ولم يضع عالم الكلام إلا في المرتبتين الثانية والثالثة.
فماذا يرى العبد وراء وحدة الله في الوجود ووراء محبة الله لنفسه؟ الجواب أنه يرى أن الله يحب ذاته من خلال العالم الذي يرى فيه صنعه، وهو عندما يراه كذلك فإن هذا العالم يرده نحو ذاته على الدوام من حيث هو مصدره وكمرآة تمثل كمالاته (47) .
ومن المفيد مقارنة هذا النص بنصين آخرين في الأحياء يتعلقان بحب (البصير) لله (مصنف) كل الأشياء (48) . فإذا كان البصير يصل بالنظر العقلي (49) إلى أن يرى العالم صنع الله وتعبيرًا عن كمال الصفات الإلهية فإن مدى علمه لن يتجاوز ذلك. إن علمه هذا سيؤدي إلى تزايد حبه لله مع تزايد معرفته بكمالات الخالق غير أن معرفته لن تكون له بابًا إلى حب الله لذاته.
(الله يحب نفسه) قول لا يمثل حقيقة يوصل إليها بالعقل فهي لا تستنتج من صفتي القيام بالنفس والكمال الإلهيين، وهذا ما ألح إليه ج. ن. بل الذي ذكر ما لاحظه هـ. ريتر من تلاقي نظرية القيام بالنفس ومفهوم حب الله لنفسه وذلك عند حديثه عن الغزالي في الفصل الذي عقده للإرادة والمحبة الإلهيتين في نظرية ابن تيمية.