"لم يكن الشيخ يعنى بأن يحدد مفاهيم وتعابير صوفية وإنما كان يعنيه أن يحيا حياة صوفية".
ثم يقول:"وما ينفرد به الشيخ هو أنه وحَّد بين التصوف والحياة اليومية"وهكذا فإن المزايا الروحية للشيخ هي مزايا معروفة والأقوال كلها متفقة على أنه بلغ قمة ما يبلغه صوفي من الحياة الصوفية إذ بلغ حال الكشف.
أما الدرب الذي سلكه فإنه يتفق اتفاقًا تامًا مع ما يقتضيه طريق الصوفية حسب المعايير التي حددها الغزالي لها إذ ميزها من وجهة نظر منهجية بأنها تقوم على الزهد في الدنيا بغية توجيه همة القلب كلها إلى الله ثم أداء العبادات. فهذان شرطان لبلوغ الكشف الذي مقره القلب (40) وهو يعنى بالتمييز بين هذه الطريق وبين طريق النظر والاستدلال عامة مثلما يعنى بالتمييز بينها وبين دراسة العلم في وجهي التعلم والتعليم وكذا تصنيف الكتب (41) .
وعندما نذكر الشيخ أبا سعيد فإننا نبلغ من الحقيقة درجة ونوعًا متميزين كما أنه عندما يجعل الغزالي منه المعبر عن الحب الذاتي عند الله (حب الله لنفسه) فإنه بذلك يعتمد نمطًا من الحقائق الصوفية اللا عقلانية: أي غير المكتسبة بطريق النظر العقلي.
(الله يحب نفسه) قول يتمثل معرفة صوفية لا عقلانية بل إنه لا يمكن أن يكون إلا كذلك.
سنمضي هذه المرة من الصلة القائمة بين نمط المعرفة وبين المعروف لنلتقي آخر الأمر بالقوام المعرفي (الابستمولوجي) لنوع من المعرفة. ولن ننطلق -كما فعلنا من قبل- من نمط نوع من المعرفة لنبلغ مباشرة قوامًا معرفيًا (أبستمولوجيًا) .