أما تعبير العشق المقارب للحب والمحبة فهو ينطبق على حب العبد لله ويستعمل لبيان اختلاف في الحب متعلق بالدرجة (12) . فالعشق والحب من طبيعة واحدة إلا أن العشق يدل على درجة في الحب أقوى.
وطريقة الغزالي في تعبيره (أعني استعماله لكلمتي الحب والمحبة في حديثه عن الحب الصوفي وعدم تمييزه بين الكلمتين ثم التعريف الذي أتى به للعشق) قد تؤكد ما استخلصه ماسينيون من وجود اتجاه سائد في المؤلفات الصوفية حول الحب والمحبة لفظًا ومعنى وذلك في كتابه: دراسة في الأصول اللغوية الاصطلاحية للتصوف الإسلامي (13) بدءًا من القرن الثالث الهجري.
على أن هذا الاتجاه الذي استخلصه ماسينيون لا يكون برهانًا على وجود معجم ثابت يمكن لقاؤه في كل كتب المتصوفين وهو ليس أكثر من محاولة لرسم الاتجاهات الدلالية العامة عندهم (14) . وهذا ما جعلنا نحاول أن نرى ما عند الغزالي نفسه.
القوام المعرفي لحب الله لنفسه:
"الله يحب نفسه"جملة إذا جاءت بمثابة نتيجة أدت إليها محاكمة عقلية حول الصفات الإلهية فإنها قد تبدو -كما سبق أن رأينا- وكأنها عارية مما يثير الاهتمام. والواقع أن الحال في النص الذي نحن بصدد دراسته غير ذلك. حيث تنطلق المناقشة حول حب الله انطلاق محاكمة عقلية كل ما فيها خليق بأن يؤدي إلى استنتاج حب الله لنفسه من الكمال الإلهي البادي في صورة قيامه تعالى بنفسه ويمثل في النص التعريف الأول للحب عند الله (15) .
فإذا شئنا أن نتمثل التباين المعرفي بين مناقشة الصفات الإلهية وبين ما يليها من تقرير حب الله لنفسه -فإن علينا أن نتساءل حول طبيعة المسعى الأول التي تقوم على جهد مستمر لتنزيه الذات الإلهية عن كل ما قد يعني التشبيه، ذلك أن الغزالي بعد أن أفاض في تقرير وجود حب الله للعبد في بداية البيان (16) عاد فعرف الحب عند الإنسان مسارعًا إلى نفي نظيره بالنسبة إلى الله.
ثم استمر في عرض فكرته فقدمها على مرحلتين: