كذلك يمكن التساؤل عن مدى التلاؤم بين هذين النصين في سياق البيانين اللذين وردا فيهما. فهذان البيانان ليسا مخصصين لموضوع حب الله لنفسه وإنما هما معقودان ضمن خطة الكتاب لمعالجة فكرتي الشكر ومحبة الله لعبده وهما الفكرتان اللتان كان طبيعيًا أن تعالجا في الكتابين الثاني والثلاثين والسادس والثلاثين من الأحياء.
وأذكر هنا أن الإحالات التي يجدها القارئ إلى كتاب الإحياء (5) تعتمد طبعة دار المعرفة التي هي أكثر ذيوعًا من سواها في الوقت الحاضر (6) لكنني خلال عملي قد توثقت من دقة النصوص (7) بالرجوع إلى طبعات أخرى (8) وإلى بعض النسخ الخطية (9) .
ولم يؤد ذلك على كل حال إلى اكتشاف فروق ذات بال فيما يتعلق بالمعاني.
حب ومحبة:
ترد عند الغزالي كلمة الحب حينًا وكلمة المحبة حينًا آخر وذلك للتعبير عن الحب في معناه الصوفي. أفيقابل ذلك معنيين متمايزين أم هما مجرد استعمالين؟
إن دراسة مناسبات ورود هاتين الكلمتين في الكتاب السادس والثلاثين المخصص في الأساس لموضوع الحب والذي لخصت فيه معانيه ومواقفه -تصل بنا أن نلاحظ ما بينهما من تلاق تام.
فحديث الغزالي عن معاني الحب ومواقفه كما تفهم من الكتاب المذكور يشمل معنى الحب عند الله وعند الإنسان وكيف يكون الله والعبد كلاهما محبًا أو محبوبًا، ثم حب الإنسان للأشياء الموافقة له على الصعيد الدنيوي. كما يتناول الحب بتعريفه في عمومه ثم من حيث وصله بمحبوب معين (10) .
نرى إذن أن كلمة بعينها تصلح للاستعمال في حق الله والإنسان على الصعيد الدنيوي أو الصعيد القدسي وأن استعمال الغزالي لدالين (لفظين) لا يستتبع بالضرورة وجود تمايز بين معنيين أو استعمالين. ومن جهة أخرى فإن دالاًّ معينًا قد يؤدي أكثر من معنى (11) .