تعالج دراستنا هذه بيانًا من كتاب إحياء علوم الدين (1) متطرقة إلى مسألتين عامتين تجدان جوابهما في هذا البيان.
نلقي أولًا هذا السؤال: أيكون عند الله حب أكثر مواءمة لطبيعته من حبه لنفسه؟
أيمكن أن تبدو لنا فكرة حب الله لنفسه منطوية على تناقض ما إذا نظر إليها بمقياس الصفات المقررة لله؟ الحق أنه عندما نقرر صفة القيام بالنفس والحب لله، عارفين أن كل حب إنما يكون لمحبوب، يأتي عن ذلك بالضرورة أن الله يحب ذاته. وما سنحاوله هو دراسة القوام المعرفي لهذا الاستنتاج.
وإذا لم يكن هناك ما يصلح أن يكون سببًا للشك في وجود هذا الحب فهل يستتبع ذلك نفي كل حب منه لسواه أو نفي كل حب آخر لديه. وهذه الدراسة إنما تهدف لتقرير وجود هذين النوعين من الحب عند الله ولتحديد حقيقتهما.
ولقد راجعت الإحياء كله فلم أظفر فيه إلا بنصين يتعلقان بحب الله لنفسه (2) .
وفضلت أن أحضر بحثي من حيث المبدأ في (بيان محبة الله للعبد ومعناها) لأن هذا البيان يتناول محبة الله تناولًا واضحًا مباشرًا (3) بينما يبدو البيان الآخر مخصصًا لفكرة الشكر. وكذلك لأنه يجمع نمطي الحب الإلهي اللذين سبقت الإشارة إليهما.
إن ورود هذين النصين عن حب الله لنفسه في كتاب الإحياء الذي يدور في مجمله حول علم المعاملة والتصوف، لا يبدو أمرًا مستغربًا كما أنه أمر مفهوم أن يردا بعد القسمين الأولين، ولعل القارئ يعجب لندرة النصوص التي تتناول فكرة حب الله لنفسه في الأحياء، غير أن هذه القلة الكمية لا تنال من أهمية هذين النصين لأن من ينسب إليه الحب هنا هو الله. وكلام الغزالي عن هذا الحب لا يقدم مادة لبناء نظري جديد وليس من الواضح أن يكون حب الله لنفسه كان أو لم يكن داعيًا إلى الخلق (4) .