فهرس الكتاب

الصفحة 9293 من 23694

فإن قلت: محبة الله للعبد أمر ملتبس فَبِمَ يعرف العبد أنه حبيب الله؟ فأقول: يستدل عليه بعلاماته. وقد قال (( ) :"إذا أحب الله عبدًا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه"قيل: وما اقتناه؟ قال"لم يترك له أهلًا ولا مالًا5"فعلامة محبة الله للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره. قيل لعيسى عليه السلام: لِمَ لا تشتري حمارًا فتركبه؟ فقال: أنا أعز على الله تعالى من أن يشغلني عن نفسه بحمار. وفي الخبر"إذا أحب الله تعالى عبدًا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه6"وقال بعض العلماء إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك. وقال بعض المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة، فقال: يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه؟

قال: لا، قال: فلا تطمع في المحبة فإنه لا يعطيها عبدًا حتى يبلوه. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إذا أحب الله تعالى عبدًا جعل له واعظًا من نفسه وزاجرًا من قلبه يأمره وينهاه7"وقد قال:"إذا أراد الله تعالى بعبد خيرًا بصره بعيوب نفسه8"فأخص علاماته حبه لله تعالى فإن ذلك يدل على حب الله تعالى له.

وأما الفعل الدال على كونه محبوبًا فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره وباطنه سره وجهره فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدِّد لظاهره وباطنه والجاعل همومه همًا واحدًا والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته والكاشف له عن العجب بينه وبين معرفته. فهذا وأمثاله هو علامة حب الله للعبد. فلنذكر الآن علامة محبة العبد لله تعالى فإنها أيضًا من علامات حب الله تعالى للعبد].

(ر. مطبعة دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ، الجزء الرابع ص 327-329) .

حب الله لنفسه عند الغزالي

تحليل لبيان"محبة الله للعبد ومعناها"من الكتاب السادس والثلاثين من إحياء علوم الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت