فهرس الكتاب

الصفحة 9292 من 23694

ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص، فإن الشخصين قد يتقاربان بتحركهما جميعًا، وقد يكون أحدهما ثابتًا فيتحرك الآخر فيحصل القرب بتغير في أحدهما من غير تغير في الآخر، بل القرب في الصفات أيضًا كذلك، فإن التلميذ يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرِّك بالنزول إلى درجة تلميذه، والتلميذ متحرِّك مترق من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم، فلا يزال دائبًا في التغير والترقي إلى أن يقرب من أستاذه، والأستاذ ثابت غير متغير، فكذلك ينبغي أن يفهم ترقي العبد في درجات القرب، فكلما صار أكمل صفة وأتم علمًا وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات وأظهر نزاهة عن الرذائل صار أقرب من درجة الكمال، ومنتهى الكمال لله وقرب كل واحد من الله تعالى بقدر كماله.

نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته وذلك في حق الله محال، فإنه لا نهاية لكماله، وسلوك العبد في درجات الكمال متناهٍ ولا ينتهي إلا إلى حد محدود فلا مطمع له في المساواة، ثم درجات القرب تتفاوت تفاوتًا لا نهاية له أيضًا لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال.

فإذن محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه.

وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى درك هذا الكمال الذي هو مفلس عنه فاقد له، فلا جرم يشتاق إلى ما فاته، وإذا أدرك منه شيئًا يلتذ به، والشوق والمحبة بهذا المعنى محال على الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت