فهرس الكتاب

الصفحة 9291 من 23694

ولا يفهم هذا إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرِّب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه، إما لينصره بقوته أو ليستريح بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيئ أسباب طعامه وشرابه، فيقال: إن الملك يحبه، ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له، وقد يقرِّب عبدًا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به ولكن لكون العبد في نفسه موصوفًا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريبًا من حضرة الملك وافر الحظ من قربه، مع أن الملك لا غرض له فيه أصلًا، فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال: قد أحبه، وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب يقال: قد توصل وحبب نفسه إلى الملك. فحب الله للعبد إنما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول. وإنما يصح تمثيله بالمعنى الثاني بشرط أن لا يسبق إلى فهمك دخول تغير عليه عند تجدّد القرب، فإن الحبيب هو القريب من الله تعالى، والقرب من الله في البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين، والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإلهية، فهو قرب بالصفة لا بالمكان، ومن لم يكن قريبًا فصار قريبًا فقد تغير، فربما يظن بهذا أن القرب لمَّا تجدَّد فقد تغير وصف العبد والرب جميعًا إذ صار قريبًا بعد أن لم يكن وهو محال في حق الله تعالى، إذ التغير عليه محال، بل لا يزال في نعوت الكمال والجلال على ما كان عليه في أزل الآزال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت