والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم، وهذا إنما يتصور في نفس ناقصة فاتها ما يوافقها فتستفيد بنيله كمالًا فتلتذ بنيله، وهذا محال على الله تعالى، فإن كل كمال وجمالٍ وبهاءٍ وجلال ممكن في حق الإلهية فهو حاضر وحاصل وواجب الحصول أبدًا وأزلًا، ولا يتصور تجدده ولا زواله، فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث إنه غيره بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط، وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله، ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه الله تعالى لمَّا قرئ عليه قوله تعالى (يحبهم ويحبونه) فقال بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه، على معنى أنه الكل وأن ليس في الوجود غيره، فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذن لا يحب إلا نفسه وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤوَّل ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل، فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب، وإذا أضيف إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له كما قال تعالى (لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه( فيكون تقرّبه بالنوافل سببًا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه، فكل ذلك فعل الله تعالى ولطف به فهو معنى حبه.