فهرس الكتاب

الصفحة 9275 من 23694

في المقطَّعات الثماني التي قدمناها، وفي الرسالتين المتبادلتين، تتضح أمورٌ نحب أن نشير إليها:

أولًا: تتجلى، في الرسالتين، بعضُ خصائص أدب التراسل: من تبادل التقدير بين المرسِل والمرسَل إليه، ومن تواضع الطَّرف الأول إلى حد الإزراء بالذات (أو بأدبها) ، مع الحرص البالغ على الإعلاء من شأن الطرف الآخر (المرسَل إليه) .

ثانيًا: لقد خلا ما أطلقنا عليه تجاوزًا"تقرير التحكيم"، مما يمكن أن نسميه"الحيثيات"و"منطوق الحكم"! إلا أنه نمَّ، من ناحية ثانية، على ثقافة المحكَّم في الشعر والتراث، وكشف عن فهمه للنفس وللحياة.

ثالثًا: في المقطَّعات الشعرية اعتدادٌ من الشعراء بشاعريتهم وبرجولتهم، وفيها شكوى من آلام العشق والهجر، على ما ينبغي أن يتسم به الشعر العربي الذي يتغزل فيه الشاعر بمحبوبه. ولكنهم بدوا"مستسلمين"لحُكم المحكَّم، كما عبَّرت عنه"رسالة في التماس التحكيم"!

رابعًا- بدت الأشعار ملتزمة أخلاقيًا. وكان المحكَّم -الذي شكا، في شبيبته، من هجر جارته له!- أكثر منها التزامًا بالدِّين والأخلاق؛ وآية ذلك أنه، وصفيَّه ملتمس التحكيم، كانا، في وقتهما، من فقهاء مالقة المرموقين.

وأخيرًا: لقد تضاءل، في المقطَّعات الشعرية جميعًا، عنصر هو أهم عناصر الشعر الغزلي: العاطفة الصادقة! وما ذلك إلا لأن الأشعار جاءت تذييلًا لما قاله شاعر آخر، ولم تكن من وحي الذات، فكأن أصحابها كانوا ينسجون على منوال غيرهم.

وبعد...

تروي المصادر الأندلسية أن جماعة من أعيان الأدباء والوشاحين، في إشبيلية، اتفقوا، ذات يوم، على أن يصنع كل واحد منهم موشَّحة... فلما أنشد أحدهم،"الأعمى التَطيلي"، موشحته التي مطلعها:

ضاحكٌ عن جُمانْ

ضاقَ عنه الزمانْ ... وحواه صدْري

خرّق كل منهم موشحته! (83) . ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت