ومن المؤسف أن أجزاء من هذا الكتاب القيِّم لا تزال مفقودة. وما عُثر عليه منها حتى اليوم وتم تحقيقه ونشره، هو الأسفار: الأول، وقطعة من الرابع، والخامس، والسادس، وقطعة من الثامن؛ نهض بتحقيق الأول والأخير الدكتور بن شريفة، وحقَّق الرابع والخامس الدكتور إحسان عباس (4) .
ولدى مطالعتي للسفر الخامس وقفتُ، في ترجمة الفقيه الأديب ابن الأصم (من أهل مالقة، في القرن السادس الهجري) ، على تفاصيل تلك المعارضة الشعرية الطريفة، مدار دراستنا هذه.
2-مالَقَة، التي سقطت بشرف:
تقع مالَقَة جنوبي الأندلس، مطلة على البحر الشامي (الأبيض المتوسط) ، على الجانب الشرقي منه المسمى"بحر الزقاق"مما يلي مضيق جبل طارق. وترجع المدينة إلى أصول رومانية وفينيقية. وقد كانت أيام الدولة الإسلامية من أهم الثغور الأندلسية، واستطاعت أن تحتفظ بطابعها الإسلامي الخالص حتى نهاية مملكة غرناطة، وما سقطت في يد نصارى إسبانيا إلا مع سقوط آخر المعاقل الأندلسية، بعد دفاع مجيد سجلته صحف ذلك العصر.
وقد أوجز ياقوت الحموي القول في مالقة في معجمه. إلا أن ابن عبد المنعم الحِمْيري، المغربي (ت 727هـ) ، أطال الوقوف عندها في كتابه"الروض المعطار في خبر الأقطار"، فقال إنها"حسنة، عامرة، آهلة، كثيرة الديار"، ووصف قصبتها، التي تقع شرقي المدينة، بأنها في غاية الحصانة والمنعة، مردُّ ذلك إلى أن عليها سور صخر والبحر في قبليِّها.
وللمدينة -يقول الحِميْري- خمسة أبواب، وربَضان كبيران (5) ، وفيها مبانٍ فخمة، وحمامات حسنة، وأسواق جامعة كثيرة في الربض والمدينة. وجامعها، بالمدينة، من خمس بلاطات. وشُرْب أهلها من الآبار. ولها وادٍ يجري في زمان الشتاء، وليس بدائم الجري. ومرساها صيفي، يكنّ بالغربي (6) .