وإذا ما طوينا هذه الصفحة المشرقة من ديوان العرب، ولم نأت إلا على بعض سطورها، وحاولنا البحث عن الدوافع الكامنة وراء هذا الاتجاه الشعري الفريد، واختصاص بعض الشعراء به، وإجادتهم القول فيه، دون غيره من أغراض الشعر المعروفة الأخرى، فإن بإمكاننا أن نعزو ذلك في جملة من الدوافع والأسباب التي يمكن أن تكشف عن بعض المؤثرات المحيطة بحركة الشعر وتطورها:
وأول هذه الأسباب إنما يرتبط بما فطر الله الإنسان عليه من عواطف ومشاعر وأحاسيس، ولم يجعلها مقصورة لديه على بني جنسه فحسب، وإنما تتعداهم إلى غيرهم من المخلوقات الحية من طير وحيوان وغيرها، إذ جعل بينه وبينها ألفة ومودة ومحبة ورحمة، يزيدها قوة وتأصلًا ما في طباع هذه البهائم من أنس ببني الإنسان، وتنمية أواصر الألفة بينهما.
أما السبب الثاني فمتصل بالبيئة كما ذكرنا آنفًا، إذ كانت البيئة البدوية مصدرًا أساسًا من مصادر الشعر لدى أهل هذه البيئة من الشعراء، وكان الطير والحيوان من أهم مظاهرها، وأقواها صلة بأهلها، ثم كانت البيئة الحضرية بعد ذلك مصدرًا جديدًا لهم، وأصبح لها أثر أوضح في أشعارهم، لما تفرضه طبيعة العمران من تحضر واستقرار وتدجين لعدد من أنواع الحيوانات والطيور، وما يتبع ذلك من منافع وألفة وروابط، وفي ذلك ما يفسر سبب تطور هذا الفن، وتنوع أغراضه، وتلون أساليبه بألوان الحضارة الجديدة في العصر العباسي خاصة.