ومن الغريب حقًا ألا نجد في ديوان شاعر متأخر من شعراء العصر العثماني، كان من أعيان هذا العصر، وعلى صلة وثيقة بالكبراء من رجاله، وهو محمد بن الحسين الكيواني (-1173هـ) أي مرثية في أحد من معاصريه سوى مرثية واحدة فحسب جعلها في هرّة، واتخذ من رثائها مجالًا للعبرة التي ينبغي لأهل البغي من حكام هذا العصر أن يعتبروا بها، وفيها يقول (22) : ... كانت ترى عندي أسيره
واسمع رثاء هريرة
خلس الحمام حياتها ... وابتز من قلبي سروره
نال الردى منها وكا ... نت منه قد أخذت طفوره
قد غالها ما غال ذا الأوتاد ... واستقصى نفيره
فليعتبر من كان ذا ... بغي ولا يركب غروره
على أن من أجود ما قيل في رثاء الطير أو الحيوان من الشعر، قصيدة لصاحب الأغاني أبي الفرج الأصبهاني (-بعد 362هـ) وكان شاعرًا محسنًا ومجيدًا (23) في رثاء ديك له يدعوه: أبا النذير، نقلها إلينا ابن شاكر الكتبي كاملة في عيونه، وقال في تصديره لها وتقديرها:"وهي من أجود ما قيل من مراثي الحيوان، ومن مختار الشعر، ونادر القصيد، عذبة الألفاظ، بديعة المعاني، مطردة الأجزاء، متسقة القوافي"وفيها يقول: (24) ... فظّ الحلول عليّ غير شفيق
خطب طرقت به أمر طروق
فكأنما نوب الزمان محيطة ... بي راصدات لي بكل طريق
ذهبت بكل مصاحب ومؤانس ... وموافق ومشاكل وصديق
حتى بديك كنت آلف قربه ... حسن إلي من الديوك رشيق
لهفي عليك أبا النذير لو أنه ... دفع المنايا عنك لهف شفيق
أبكي إذا أبصرت ربعك موحشًا ... بتحنن وتأسف وشهيق
صبرًا لفقدك لا قلى لك بما كما ... صبر الأسير لشدة ولضيق
لا تبعدن وإن نأت بك نأية ... في منزل نائي المحل سحيق