وقد كان الرمز بالطير أو الحيوان سبيل عدد من الشعراء في التعبير عن بعض أحداث العصر، وما ساد فيه من اضطرابات خطيرة، أودت بحياة عدد كبير من الخلفاء والوزراء والقادة، وذهب ضحيتها عدد غير قليل من الكتاب والشعراء، ومن ذلك قصيدة لأبي بكر الحسن بن علي العلاف، روى الدميري أنه"كنى بالهر فيها عن ابن المعتز حين قتله المقتدر، فخشي منه، ونسبها إلى الهر، وعرّض به في أبيات منها، وقيل إنما كنّى بالهر عن المحسن بن الوزير أبي الحسن علي بن الفرات أيام محنته، لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه، وقيل كان له هرّ يأنس به، فكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه، ويأكل أفراخه، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بقصيدة. وقال ابن خلكان: وهي من أحسن الشعر وأبدعه، وعدد أبياتها خمسة وستون، وفيها أبيات مشتملة على حكم، وفيها يقول (20) :"
يا هرّ فارقتنا ولم تعد
صادوك غيظًا عليك وانتقموا ... منك وزادوا: من يَصِد يُصَد
ثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يرعووا على أحد
فلم تزل للحمام مرتصدًا ... حتى سقيت الحمامُ بالرصد
أذاقك الموت ربّهن كما ... أذقت أفراخه يدًا بيد
وللهر أو القط في الشعر العربي مدائح ومراث طويلة ترتبط بما بين هذا الحيوان الأليف المؤنس وبني البشر من أواصر الصحبة والمودة وحسن العشرة، فكان فقده بعد ذلك يخلف الحزن العميق، والأسى البالغ في النفوس، يعبر عنه الشعراء منهم تعبيرًا صادقًا في قصائد مؤثرة، ومن ذلك قصيدة لأبي الحسن التهامي (-416هـ) في رثاء قطّ له سقط في بئر فمات، فقال يبكيه (21) : ... بكيناك ما لم نبك يومًا على قط
ولما طواك البين واجتاحك الردى
ولو كنت أدري أن بئرًا يغولني ... بمثواك فيها لاحتبستك بالربط
ولكن أيدي الحادثات بمرصد ... إذا أرسلت سهم المنية لم تخط
فهل نافعي أني رثيتك بعدما ... رأيتك توفي لي وتحكم بالقسط