قد كان هذا الشاعر مُرزَّأً حقًا، إذ غاله الدهر بأحب الخلائق لديه، فقضى أخوه الوزير أحمد، ومات عدد من أبنائه في حياته، وفقد عددًا من البهائم التي كانت تؤنس وحدته، ويجد في عشرتها وتربيتها العزاء والسلوى، ومنها ديك صغير، كانت كنيته عنده أبا سعد، لم يكد يشب عن الطوق ويصيح حتى قضى صريعًا، فقال في رثائه من قصيدة طويلة ومؤثرة (17) : ... مربية عندنا تالده
أوحشت منك أبا سعدٍ عراصّ وديار
فجعتنا بك أقدارٌ لها فينا الخيار
عثر الدهر بنا فيك وللدهر عثار
وتولت بك أيام من العمر قصار
يا أبا سعد فلا تبعد وإن شطّ المزار
إنما الدنيا مزار وإلى الله المجار
وله من هذه المراثي العجيبة قصيدة طريفة في رثاء هرة أنيسة وادعة تخطفتها يد المنية، مخلفة وراءها قططًا صغارًا ويتامى، فقال يرثيها، ويذكر مآثرها الحميدة وأياديها (18) :
يقولون كانت لنا هرة
وكنا بصحبتها حامدين ... وكانت بصحبتنا حامده
فعنّ لها عارض للردى ... فأمست بتربتها هامدة
وأصبحت الفأر في دارنا ... أوامن صادرة واردة
ولعل مما لا يخفى على أحد ما في هذه المراثي من رمز أو كناية وتعريض، وما لها من علاقة بظروف الشاعر وعصره، وما يعبر عنه انصرافه التام نحو الطير والحيوان في شعره، وقد وجد فيها ما لم يجده في بني الإنسان من معاصريه من رقة ووفاء وطيب، فاستغنى بها عنهم، وجعل معظم شعره فيها: وصفًا أو مديحًا أو هجاء أو رثاء، إذ لا نكاد نجد له في رجال عصره من الخلفاء والرؤساء والكبراء مديحًا أو رثاء، على الرغم من صلته القوية بهم، سوى ما قاله في أخيه وأبنائه من مراث رقيقة (19) . ... وكنت عندي بمنزل الولد