وقد برع في هذا الفن الفريد من الرثاء عدد من الشعراء المحدثين، فكانت لهم فيه بدائع ونوادر كثيرة، وعلى رأسهم القاسم بن يوسف، أخو الوزير الشاعر الأديب أحمد بن يوسف وزير المأمون، كما كان القاسم واليه على الخراج، وكان شاعرًا"قد جعل وكده في مدح البهائم ومراثيها، فاستغرق أكثر شعره في ذلك (14) "كما يقول صاحب الأغاني، وروى له الصولي عدة قصائد طويلة في رثاء الطير أو الحيوان، وقال في تقديرها:"وهو أشعر في فنه الذي أعجبه من مراثي البهائم من جميع المحدثين، حتى أنه لرأس فيه، متقدم على جميع من نحاه، وما ينبغي أن يسقط شيء من شعره فيه، لأنه كله مختار، وللناس فيه فائدة (15) "، ومما رواه له من هذه القصائد البديعة المختارة، قصيدة طويلة في رثاء عنزة سوداء، كانت عنده خيرًا من محظيات الملوك والأمراء والوزراء، فأودى بها الموت فقال يرثيها ويصف محاسنها الدقيقة، ويذكر مآثرها الحميدة فيقول (16) : ... كالعروس الأدماء يوم الجلاء
عين بكى لعنزنا السوداء
أذن سبطة وخدّ أسيل ... وابتسام عن واضحات نقاء
أين لا أين مثلها مصطفاة ... من صفايا الملوك والوزراء
كيف يرجو البقاء سكان دار ... خلق الله أهلها للفناء
وإذا كان الشعراء قد اعتادوا في مراثيهم في بني الإنسان استخلاص المواعظ والعبر، والإفصاح عن أثر الفراق الأبدي في نفوسهم، فإن هذه العواطف، وتلك المواعظ تبدو أعمق تأثيرًا، وأقوى دلالة وتعبيرًا لدى الشاعر في رثائه هذه المخلوقات الوديعة بعد موتها، ومن ذلك قصيدته في رثاء طيره القمري المطوّق، إذ تضمنت من رقيق المعاني، وعميق الحكم، وبسيط التعبير ما يفوق الكثير من مراثي الشعراء في الناس، وفيها يقول (16) : ... من ريب هذا الزمان
هل لامرئ من أمان
ما اثنان يجتمعان ... إلا سيفترقان
كان المطوّق خدنا ... من أكرم الأخدان
فغاله حادث من ... حوادث الأزمان
فالقلب فيه كلوم ... من لاعج الأحزان
هيهات مالك ثان ... مقارب أو مدان
فاذهب فقيدًا حميدًا ... فما خلا الله فان