أسمح لنفسي باقتباس شطحة من شطحات الصوفي القديم المشهور أبي يزيد البسطامي فانقلها إلى فلسفة العلوم وهي قوله: أشد الناس حجابًا عن الله ثلاثة: عالم بعلمه وعابد بعبادته وزاهد بزهده. ذلك أن العالم إذا وقف عند ما يعلم كان علمه محدودًا وغاب عنه ما وراء حدود علمه. والعابد إذا اقتصر على عبادته دون أن يخدم مجتمعه لا يكاد يجديه هذا الاقتصار لأن غالبية العبادات إن لم نقل كلها ذات صفات وأبعاد اجتماعية. والزاهد بانْصرافه عن عمارة الدنيا التي هي سبيل الخلود تقل موازينه في ميدان العمل النافع المثمر ولذلك كان الوقوف عند مضمون العلم المتحصل جمودًا لأن هذا المضمون نفسه ليس جامدًا بل هو متحرك متبدل. وهكذا نفهم في تراثنا الضخم المؤثل قول ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذف في القلب (إحياء ج 1 ص 27) .
إن العالم لا بد له من أن يطلع على أعمال العلماء ومكاسب العلم لا ليحفظها بل ليتجاوزها ويأتي بشيء جديد. إنه يدرك كون المعرفة العلمية غير مكتملة إذ هي ثمرة العصر الذي حصلت فيه فهو يسير بها نحو مرحلة جديدة. ثم إن العلم حل لمشكلة لا يلبث أن يفضي إلى مشكلة جديدة. هو لغز يتجدد كما قال الفيلسوف الفرنسي غاستون بشلار. المهم التزود بعد سعة الإطلاع بروح العلم الذي يؤدي إلى الابتكار والتقدم. وهذا يعني أن الفكر ينبغي أن يكون متفتحًا ومتهيئًا لالتقاط أي فكرة جديدة ولو غايرت الفكرة التي كانت مقبولة وأن القواعد التي وضعت في شأن من الشؤون العلمية يجدر تجاوزها إن حالت دون تقدم هذه العلوم مثلما حصل في شأن النظرية الكهرطيسية ونظرية الكوانتا القديمة. بل ثمة أكثر من ذلك ينبغي للفكر أن يَبْتَدِرَ الفكرة الجديدة ويسعى إليها سعيًا.