ولما كان الإنسان ميالًا بطبعه إلى الارتياح في المرحلة التي بلغها والركون إليها وإلى اجترار ما اكتسب من معلومات كان على الباحث تعديلًا لذلك أن يجيب بالنفي والرفض عن علم الماضي وعن علم اليوم. وهكذا نفهم فحوى عنوان الكتاب الذي ألَّفه غاستون بشلار بعنوان"فلسفة النفي LA PHILOSOPHIE DU NON ننفي ما وصلنا إليه من مكاسب علمية ونتجاوزها لنصل إلى تقرير أمر جديد وكشف علمي طريف."
إن هذا الموقف الفكري هو ما يدعى في العصر الحاضر بالجدل العلمي القائم على التغيير والحركة والصيرورة. وخلاصة الحال فيه أن يبقى الفكر مستوفز النشاط متيقظ الانتباه متشوفًا نحو التقدم والكشوف الجديدة. لا يطمئن إلى مرحلة إلا ويحاول مغادرتها ولا يخلد إلى معلومات مكتسبة إلا ويتبين ما فيها من عدم اكتمال فيسعى إلى تجاوزها. إن العلم معناه الإشراف على ما تَحَصَّل لاستشراف ما يتحصّل والاستكشاف لما يخفى ويستَسِرّ. وتحصيل هذا العلم ليس معناه التخصص الضيق أو الموسوعية الكبيرة الجامدة بل معناه التجدد النظري والتطبيقي معناه الشباب الفكري الدائم.
تَخَصُّصٌ ثم موسوعية سلفا
إن العلوم فراديس مخلدة ... وكم حلا في ذَراها الزهر والثمر
من عاش في ظلها قد عاش في رغد ... مهما تبدلت الأيام والغِيَر
يَمْضِي الغَنِيُّ ويَفْنى ما يُجَمِّعه ... وثمة الباقيان العلم والأثر
والعلم موطنه قلب يؤيده ... على المدى الشاهدان السمع والبصر
وإنما هو برق كلما ازدحمت ... سحب العقول ووافى ومضها المطر
فكن صبورًا على نيل المعارف إذ ... لم يحظ بالفوز إلا عصبة صبروا
هم النجوم إذا ليل البلاد دجا ... وفي النهار شموس أينما ظهروا
غنّيت طول حياتي كل معرفة ... حتى غدوت ولا قوس ولا وتر
إلا ضميريَ مثل الماس أحفظه ... نقاوة تتآخى عنده الصور
والحب أكبر أنصاري وأعظمها ... في حظ روحي فلي بالحب مفتخر