ونظرًا لاتساع العلوم وروافدها وشعبها ومسايلها المنظمة وغير المنظمة والتي هي رهن التنظيم بحيث يصعب على العلامة النحرير أن يحيط بها وبخصائصها جميعًا مع أن هذه الإحاطة مفيدة في تقدم العلم وابتكار المبتكرات فقد نشأت هيئات جديدة وهي جماعات من العلماء كل هيئة تضم عددًا من المشتغلين في طائفة من العلوم متقاربة ومتعاونة يشرف على أعمالها عالم موسوعي يوجهها ويتلقى نتائج أعمالها ويناقشها ويدرك ما فيها من تجديد أو استشراف. وهكذا يغدو العلامة مجموعة من العلماء والمساعدين يكثر عددهم أو يقل بحسب الموضوع والحاجة والاستعداد، كما أن الأجهزة المخترعة في الوقت الحاضر كالحواسيب المتطورة تعين في ذلك. أصبح العلاّمة"ورشة"من العلماء كما أصبح الحانوت أو الدكان في المقابل سوبر ماركت.
وقد تغيرت فلسفة العلوم إزاء ذلك، وليس المراد بالاختصاص الآن الوقوف عند المعلومات التي حصلها المختص والجمود عليها. وكذلك ليس بالمراد بالموسوعية استيعاب أكبر قسط ممكن من العلوم. إنما المراد بكليهما الإطلاع الحصيف الدقيق وتكوين القدرة الكبيرة على النفوذ إلى أعماق الأشياء واكتناه موضوعاتها وإدراك أبعادها العامة والخاصة.