وهكذا، أدرك الخليفة وجه الحكم فعقد في اليوم التالي مجلس قضاء وأجلس الغلام في مجلس القاضي ليقضي بدلًا منه بالصواب فلما أتي بالجرة الأصلية التي أقرها كل من التاجر وعلي خوجة استدعى خبيرين في شؤون الزيتون فحكما بأن الزيتون من هذا العام. وعندئذ ألزم الخليفة التاجر بالدنانير وقضى عليه بالسجن ونبه القاضي على اليقظة وتحري السداد.
ومن رجالات العرب وعلمائهم الكبار المبتكرين الخليل بن أحمد الفراهيدي. كان سفيان الثوري يقول من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد (معجم الأدباء لياقوت) وكان النضر بن شميل يقول: أكَلَتِ الدنيا بعلم الخليل وكتبه وهو في خص (كوخ) لا يُشْعَر به (المرجع نفسه ياقوت) . إلى جانب علمه الغزير واهتمامه بالإيقاع والموسيقى كان يحج سنة ويغزو سنة، وكان من الزهّاد العبّاد. ومعرفته بالناس وبالعلماء ومدعي العلم واسعة. وقد قسّم أحوال الناس فيما علموه أو جهلوه أربعة أقسام متقابلة لا يخلو حال الإنسان منها فقال: الرجال أربعة. رجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاسألوه. ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك ناسٍ فذكروه. ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فعلموه.
ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه. (أدب الدنيا والدين للماوردي مطبعة السعادة/ ص 52) .
وقد ندد العلماء بهؤلاء الذين لا يدرون ولا يدرون أنهم لا يدرون قال أبو قاسم الآمدي:
ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري
وقال آخر: ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة
أي حين تظن أنك تدري والحال أنك لا تدري فالمصيبة مصيبتان. ... حينا وبذَّهما الإبداع والنظر
أمثال هؤلاء صور سلبية عن المختصين وعن الموسوعيين جميعًا.
قد لا يكون للاختصاص أي فائدة سوى تضييع الوقت الثمين:
حكي أن رجلًا استأذن هارون الرشيد فقال إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه.