ثم ينقد هذه الرواية من جملة وجوه، أحدها عدم احتمال ذلك العدد بالقياس إلى ما يمكن أن تعبئه مصر والشام. إن"لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة.. ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير... ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبًا منه". ثم هنالك أيضًا عدم الاحتمال لازدياد بني إسرائيل إلى هذا الحد في الفترة الواقعة بين إسرائيل وموسى. والمسعودي نفسه يروي أنه قد"دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسًا وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه مائتين وعشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة". ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد، وكذلك يبعد أن يتشعب النسل إلى ذلك الحد لو أن إحصاء الجيش وقع في زمن سليمان.
إن المؤرخين العرب كالمسعودي وأمثاله نقلوا معلوماتهم تلك عن"العهد القديم"جاء في الفقرة 46 من الفصل الأول من سفر العدد"كان جميع المعدودين ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين"وورد هذا الرقم أيضًا في الفقرة 32 من الفصل الثاني من السفر نفسه.
بيد أن العهد القديم كتاب ديني. ولذلك أخذ المسعودي الخبر منه على عواهنه. ولم يعرض ابن خلدون لهذا الكتاب الذي له صفة خاصة وإنما انتقد المؤرخين الذين لم يمحصوا الخبر من الوجهة العلمية.
ومن السهل بيان عدم الاحتمال لذلك التناسل بشتى الأرقام. وقد أبان الباحثون الديمغرافيون بعد مئات السنين من عهد ابن خلدون امتناعه. جاء في كتاب"تاريخ سكان العالم"لمؤلفيه الباحثين رنهار وأرمنغو ما يلي:"ولهذا كان أولئك الذين فحصوا كشوف أعداد السكان بمجموعها أو على الأصح عدد القادرين على حمل السلاح مما جاء في التوراة استغربوا جواز احتمالها."