ربما لحظ المرء فحوى كلام خوسي أورتيغا حين وصف المتخصصين الضيقي الآفاق بنموذج من الرعاع لم يعرف التاريخ له مثيلًا. ويبدو مصداق عبارته حين نقرأ سير العلماء الأفذاذ في غمار التاريخ العالمي. فلا نكاد نجد بينهم عالمًا ضيق الاختصاص بل كانوا يستبحرون في علوم متعددة، ولكن صروف الحياة تجعلهم يشتهرون ببعضها مع أنهم يتقنونها أو يكادون يتقنونها جميعًا. لقد اشتهر ابن سينا بالطب والفلسفة مع أن كتبه وبحوثه كانت تشمل اللغة والرياضيات والبيولوجيا والفيزياء وعلم النفس والنبات والحيوان إلى غير ذلك.
بل كان اختصاصه في علم واحد كالطب يشمل العلم بالتشريح ووظائف الأعضاء والأمراض وطب الأطفال وطب الشيوخ وفن المداواة والصيدلة. وكل ذلك إلى جانب أشعاره التي جُمِعَتْ مؤخرًا فألَفت ديوانًا يضم شعره التعليمي كأرجوزته في الطب، وشعره الفلسفي كقصيدته في النفس وشعره الوجداني الذي يصور خوالجه وآراءه في مناسبات عدة. وكذلك كان معاصره البيروني فلم يكن في زمنه علم إلا وأوفى على الغاية فيه نظرًا وتطبيقًا زيادة على علمه بلغات كثيرة بالإضافة إلى تعمقه في اللغة العربية وإلى ما روي عنه من شعر.
ومثلهما ابن النفيس الشامي فقد برع في اللغة وعلم الحديث والسيرة النبوية بالإضافة إلى شهرته الواسعة في الطب وكشفه الدورة الدموية الصغرى التي اقتبسها عنه أطباء غربيون في عصر النهضة الأوربية وانتحلوها عند إطلاعهم على ترجمة كتاب"تشريح القانون"إلى اللاتينية. وأمثالهم كثير في الحضارة العربية الإسلامية.