فهرس الكتاب

الصفحة 9206 من 23694

ويعلق شرودنغر على ذلك بأن التخصص ربما كان شرًا لا بد منه عند الرغبة في تقدم العلم ولكنه ليس بفضيلة، وبأن البحث الخاص لا قيمة له حقيقية إلا في إطار المعرفة الشامل. وعنده أنه قد شرعت تتخافت الأصوات التي تتهم المرء بالفضول إذا خرج من ميدان اختصاصه فلا ينكر عليه ذلك الخروج إلا عالم ضيق الأفق أو رجل جاهل في قضايا الثقافة. وينهي شرودنغر فصله بهذه النصيحة التي ينصح بها طالب العالم المتخصص:"إياك أن يغيب عن بصرك الدور الذي يلعبه موضوعك الخاص في مسرحية الحياة الإنسانية الكبيرة المضحكة المبكية وأبقِ على اتصالك بالحياة ولا سيما بغور الحياة الفكرية الذي هو أشد أهمية من الحياة العملية، واجعل الحياة ذات اتصال مستمر بك. وإنك إن لم تستطع في آخر الأمر أن تخبر السائل عما عملت من عمل فاعلم أن نشاطك قد ذهب عبثًا".

كتيّب شرودنغر هذا عبارة عن أربع محاضرات ألقاها في جامعة دبلن عام 1950 برعاية معهد دبلن للدراسات العالية. وكان قد نزح عن النمسا عند قيام النازية في ألمانيا وضم بلده إليها. وكأنه ينعَى في محاضرته الأولى هذه ضيق الأفق الذي اتصف به زعماء النازية وعلماؤها فعَمُوا بتعصبهم عن اتساق آفاق الحياة وعن تقدير الفكر بجملته وشموله وعبقريته. لقد توارت النازية ولكنها انبعثت فيمن كانوا ضحايا النازية صُوَرًا أشد قبحًا وأكثر تعصبًا وأدهى خطرًا وأضيق أفقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت