ولقد اشتد اعتماد التخصص في القرن التاسع عشر عند استتباب الثورة الصناعية في أوربة والبلاد الغربية، وتقدمت العلوم والصنائع أشواطًا بفضل هذا التخصص. وامتد هذا الاتجاه في أوائل القرن العشرين. وكان كل علم أو فن كأنه محدد الموضوع محكم المنهج وكأن القائمين بشؤونه، المختصين بمزاولته، يعيشون في منطقة واضحة المعالم محصورة الأفق يعملون وليس لهم اتصال بالمناطق الأخرى ولا إطلاع على ما يعمله الآخرون إلا من مكان بعيد. وكانت فلسفة العلوم تنوّه بالتخصص وترى أن ثمة قواعد عامة للعلم تستند إلى ميكانيك نيوتن تقع مختلف الظواهر الطبيعية وفق أصولها. وكل كشف علمي يأتي ليحتل مكانه الخالي إلى جانب المكاسب العلمية السابقة على صعيد العلم الرحب، وكأن هذه المكاسب مطلقة ونهائية وتَشِفُّ عن حقائق الكون. وإذا كان ثمة من حاجة فهي إرهاف هذه الحقائق ووضعها في قوانين عامة مطلقة.
على أن طائفة من المفكرين الأصلاء ضاقوا ذرعًا بهذا التخصص المحدود وباقتصار الباحثين على فن واحد أو صناعة واحدة أو علم واحد يوغلون فيه دون أن يتعرفوا صلاته بالعلوم الأخرى ودون أن يدركوا وشائج موضوعه بتلك العلوم وغالوا في النقد حتى عدّوا ذلك بمثابة التوحش.