فهرس الكتاب

الصفحة 9203 من 23694

هذا ومن أشد العلماء إلحاحًا في تعليق تشعب الاختصاص على زيادة السكان عددًا وكثافة العالم الإحصائي الإيطالي الحديث كورادو جيني. فهو يرى أن أسباب الاختصاص وتنوع المواهب ودواعي الاصطفاء بين الأفراد أكثر حصولًا وتوافرًا لدى الأمم الكثيرة العدد. ويشير إلى المنزلة التي يتبوؤها ممثلو الأمم الكبيرة في المؤتمرات العلمية العالمية. وليس ذلك ناشئًا عن كونهم أذكى من أفراد الأمم الصغيرة ولا أنهم أكثر إطلاعًا وثقافة. ولكن السبب في ذلك زيادة الاختصاص الواقعة في بلادهم لكثرة من يشتغلون في مضمار واحد. إن الاختصاص معناه حد نطاق العمل وتضييق أنواع العرض بالمعنى الاقتصادي وتقليل أنواع الطلب. وما لم يكن الاختصاص عالمي المجال لا يستطيع المرء أن يضيّق اختصاصه إلا في بلاد كبيرة تمكنه من أن يجد أسباب المعيشة فيها كما تمكنه من تحقيق أدق ميوله ومواهبه. بل هي تحمله على الاختصاص بنتيجة الاصطفاء أي بنتيجة تنازع المشتغلين في ميدان واحد، وسعيهم للتفوق والتبريز. وعلى خلاف ذلك ما يحصل في البلاد الصغيرة. فإن الإنسان فيها مضطر لضيق آفاق الحياة إلى أن يزاول عدة أعمال معًا لكي يكسب ما يكفي حوائجه الضرورية. بل يكاد ضيق الحياة يحول بينه وبين زيادة الاختصاص لقلة الأسباب الداعية إلى ذلك ولقلة الظروف والأحوال التي تساعد عليه. فهو لا يبلغ درجة الكمال والإتقان التي قد يبلغها في بلاد كبيرة. وربما كان في هذا ما يفسر حصول الابتكار والاختراع والكشوف في البلاد الكبيرة. على أنه ربما تكون الأفراد في البلاد الصغيرة على درجة عالية من الثقافة. ولكن الكشوف والاختراع والابتكار في الغالب من نصيب البلاد الكبيرة. قد ترد إلى الذهن أسماء بعض العلماء المخترعين الذين ظهروا في البلدان الصغيرة كنوبل السويدي مخترع الديناميت. ولكن نوبل نفسه كان قد درس في روسيا القيصرية والولايات المتحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت