فالزيادة تسوقهم إلى التنازع في أمر المعاش. فلو قاموا عند كثرتهم بأعمال متشابهة فكانوا على حد تمثيلنا نحن خياطين أو أساتذة أو أطباء لصعبت عليهم أسباب الحياة ولاشتد تنازعهم. لذلك يتخصصون بحرف مختلفة ويتوزعون الأعمال حتى تتَيَسَّر لهم مرافق المعيشة. ثم إذا تكاثر السكان تكاثرت معهم المواهب وتعددت بتعددهم الملكات وتشعب الاختصاص وتهيأت بالمنافسة سبل كثيرة للإتقان في مختلف الميادين من صناعة وفن وعلم وتدبير عسكري أو سياسي وهلم جرا. واحتمال وجود هذه الميول والاستعدادات في المجتمعات الكثيفة أقوى منها في المجتمعات القليلة السكان. وكذلك تشتد الطلبات وتكثر الحاجات والمآرب وتنشأ ميول جديدة وعادات مستحدثة فيستدعي ذلك تفننًا في تقسيم العمل وزيادة في توزع الاختصاص.