ومن التعريفين أعلاه يتضح أن الحاتمي أطلق حكمًا عامًا في الشعر في حين أن الجرجاني عرف الشعر من خلال الشاعر فالشعر علم، ولكنه لا يتأتى لأي كان من البشر وبقوله هذا أراد ما تواضع عليه الناس في هذا العصر من حدود له ولكنه خصص فيما بعد إذ بين أن عماد هذا العلم هو الموهبة والذكاء والدربة وبقدر نصيب الإنسان من أركان هذا العلم بقدر ما يكون علو شأنه ونباهة ذكره وإبداعه فيه.
ومن الملاحظ أن الجرجاني يستخدم الطبع بمعنى الموهبة والطبع يلهم الشاعر سلامة اللفظ وسلامة الأسلوب وهو الذي يرسم حدود مابين الشعر الجيد والرديء ومابين الشعر المطبوع والشعر المصنوع المتكلف. والطبع عند الجرجاني هو الذي صقله الأدب وشحذته الرواية وجلته الفطنة وتمت له ملكة الفصل بين الرديء و الجيد. يقول الجرجاني"وملاك الأمر في هذا الباب ترك التكلف ورفض التعمل، والاسترسال للطبع وتجنب الحمل عليه والعنف به ـ ولست أعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي صقله الأدب وشحذته الرواية وجلته الفطنة وألهم الفصل بين الرديء والجيد وتصور أمثلة الحسن والقبح".
ويبين الجرجاني أن الشعر المطبوع يؤثر في المتلقي فور سماعه بعكس المتكلف والمصنوع تمجه النفس ويعافه القلب رغم إحكامه وصنعته... فيقول:"وتأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده وتفقد ما يتداخلك من الارتياح ويستخفك من الطرب إذا سمعته وتذكر صبوة إذا كانت لك تراها ممثلة لضميرك ومصورة تلقاء ناظريك."
وكذلك فالجرجاني ينفي المعنى المبتذل واللفظ المستعمل من الشعر المطبوع لأن الطبع يحمل اللفظ الرشيق ويستبعد الصنعة مثلما يستبعد المعاني الفلسفية (التدقيق) والمعاني البعيدة (الإغراب) ، ويجعل تأثير الشعر يظهر في سورة الطرب وتذكر الصبوة واستحضار الصورة. ويقول الجرجاني: (فمن عيوب المعاني التدقيق وهو الخروج عن رسم الشعر إلى طريق الفلسفة) .
ثانيًا ـ صقل الموهبة: