ج ـ نظرية الموهبة المصقولة وعدالة الناقد:
قد نسمح لأنفسنا بناء على المعطيات العامة بالقول إن منطوق نظرية الجرجاني تتعين بأن على الأديب أن يكون ذا موهبة مصقولة وأن على الناقد أن يكون عدلًا ومنصفًا وله بصر ودربة بالشعر". تقوم هذه النظرية على مبدأين هامين:"
1 ـ الموهبة المصقولة:
ويعني أن تتوفر لدى الأديب موهبة فطرية فالناس في طبيعتهم متفاضلون، ولكن هذه الموهبة تحتاج إلى صقل عن طريق الرواية والتمرس بالأساليب الفصيحة والدربة وما يفضي به ذلك من اختيار للألفاظ الرشيقة والمعاني السليمة وامتلاك مقومات الشعر (لغة ـ نحو ـ وزن) .
2 ـ عدالة الناقد:
وأهم ما يمتاز به الناقد عند الجرجاني هو العدالة والتخصص فضلًا عن الدربة والرواية، فالأدب نسب والعلوم أرحام تصل بين المشتغلين... والنصرة لأهل الأدب لا تعني التعصب، بل يجب أن لا تتجاوز حدود الإنصاف.
هذان هما المبدأان الهامان اللذان تقوم عليهما نظرية الجرجاني في النقد أو قل هما الغرضان اللذان يشكلان عماد النظرية عنده ويقوم الجرجاني باختبارهما من خلال رحلته الطويلة في كتاب الوساطة.
الموهبة المصقولة:
أولًا ـ الطبع والشاعر المطبوع:
عرف الجرجاني الشعر بأنه:"علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو الحسن المبرز وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان".
وقبل أن نبسط القول في هذا التعريف نرى من الأجدر أن نعرض إلى تعريف الحاتمي في هذا المجال حتى نتبين مدى رسوخ قدم الجرجاني وعلو شأنه ونفاذه في طبائع الأمور. فقد أبان الحاتمي في الرسالة الموضحة أن"حدود الشعر أربعة وهي: اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، ويجب أن تكون أ لفاظه عذبة ومعانيه لطيفة واستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة، وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن متميز القافية رائع الابتداء بديع الانتهاء".