لعل أحسن ما قيل في هذا الباب ما أورده ابن قتيبة عن كتابه النفيس:"أدب الكاتب". (17) ، من أنه ليس لمن لم يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم، ولا من الكتابة إلا بالاسم، ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة: ولكنه لمن شَدا شيئًا من الإعراب فعرف الصَّدْرَ والمصدر، والحال والظرف، وشيئًا من التصاريف والأبنية، وانقلابَ الياء عن الواو، والألف عن الياء، وأشباه ذلك. ولابد له من النظر في الأشكال لِمساحة الأرضين، حتى يعرفَ المثلث القائم الزاوية، والمثلث الحادّ، والمثلث المنفرج، ومساقط الأحجار، والمربعات المختلفات، والقِسيّ والمدوَّرات، والعمودَيْن، ويمتَحن معرفته بالعمل في الأرضين لا في الدفاتر، فإنَّ المُخبَر عنه ليس كالمُعاين". وكانت العجم تقول: من لم يكن عالمًا بإجراء المياه، وحفر فُرَضِ المشارب ورَدْمِ المَهاوي ومجاري الأيام في الزيادة والنقص، ودوران الشمس، ومطالع النجوم، وحال القمر في استهلاكه واتصاله، ووزن الموازين، وذَرْع المثلث والمربع والمختلف الزوايا، ونصْبِ القناطر، والجسور، والدَّوالي، والنواعير على المياه، وحال أدوات الصنَّاع، ودقائق الحساب، كان ناقصًا في حال كتابته. ولابدَّ له من النظر في جمل الفقه ومعرفة أصوله... والحديث... ودراسة أخبار الناس، وتحفُّظ عيون الحديث ليُدْخِلَها في تضاعيف سطوره متمثلًا بها إذا كَتب ويصل بها كلامه إذا حاور". ثم خفَّفَ على الكتَّاب بعد ذلك قائلًا:"ومدار الأمر على القُطْب، وهو العقل وجودة القريحة، فإن القليل معهما بإذن الله تعالى كافٍ، والكثير مع غيرهما مقصِّر"، وختم ذلك بالقول:"ونستحبُّ له أن يُنَزِّلَ ألفاظَه في كتُبِه فيجعلها على قَدْرِ الكاتب والمكتوب إليه، وألا يعطي خسيسَ الناس ريعَ الكلام، ولا رفيع الناس خسيسَ الكلام".