وقد حذا هذا الحذو أبو الحسن بن كيسان (299هـ) ، فقد حكي عنه قوله:"الفعل ما كان مذكورًا لأحد الزمانين: إما ماضٍ أو مستقبل، والحد بينهما"، كما أشار إليه الدكتور الساقي في كتابه (أقسام الكلام العربي/69) . وابن كيسان أحد العلماء البغداديين الذين أخذوا النحو عن إمام البصريين المبرّد أبي العباس محمد بن يزيد (285هـ) ، وإمام الكوفيين ثعلب أبي العباس أحمد بن يحيى (291هـ) . فكان بصريًا كوفيًا.
وإذا كان الكسائي وابن كيسان قد عرّفا (الفعل) بالزمن فوصفاه بأحد دلالتيه، فقد عمد النحاة بعدهما إلى إحكام تعريفه فوصفوه بدلالتيه (الحدث والزمن) . وأقدم ما جاء من ذلك في تعريف الفعل، ما قاله أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (337هـ) ، في كتابه الإيضاح:"الفعل على أوضاع النحويين ما دل على حدث وزمان ماضٍ أو مستقبل نحو قام يقوم/53". وذكر ذلك في كتاب (الجمل/17) . أيضًا. والزجاجي ممن جمعوا علم الكوفة إلى علم البصرة، وقد كان إلى البصرية أميل، لكنه لم يتعصب لأحد المذهبين فيحاكي بغير دليل أو يتابع بغير حجة.
ونهج الفارسي أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار (377هـ) . نهج الزجاجي في التعريف فقال:"كل لفظة دلت على معنى مقترن بزمان محصل". ولما وصف المعنى باقترانه بالزمان تحقق أنه الحدث، وفي إشارته إلى اقتران الحدث بزمان محصل زيادة في الإحكام. والفارسي كما هو معروف علم من أعلام البصرة والقياس. ومن مؤلفاته الإيضاح والتكملة والتذكرة وسواها.
وجرى النحاة بعد الفارسي على هذه السنة في التعريف فقال جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (538هـ) ، في كتابه (المفصل/ 243) :"الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان". والزمخشري من أئمة القياس بعد الفارسي وابن جني، وهو صاحب المفصل والكشاف.