يمكننا أن نفهم على هذه الصورة كيف أمكن لتلك المعرفة، ومنذ ذلك العهد، أن تنتقل بوفرة وغزارة عبر العصور وعلى مدى رقعة جغرافية مترامية الأطراف: إذ ينقل كل عالم ما يراه في مجال الزراعات المختلفة من عالمه الأضيق إلى أبعد ما وصلت إليه حدود المملكة المترامية. كان الإسلام عاملًا مساعدًا في انتقال المحاصيل، والأفكار، والبشر، بكل يسر وسهولة في مجال منفتح بلا حدود، وبالتالي، فإن الانتماء إلى قطاع جغرافي ومناخي ذي مميزات مشتركة كان من شأنه دعم وتقوية ظاهرة التبادل تلك، وما ينجم عنها من تأثيرات متبادلة، سوف نعرض فيما يلي إلى مناقشتها.
كان الانتماء هو هو للقطاع الجغرافي والمناخي ذاته، وفي جميع الأماكن؛ وكان علماء الزراعة على اختلاف عصورهم يشعرون بأهمية ذلك الانتماء. والبرهان على ذلك نجده لدى عالم الزراعة الإشبيلي ابن العوام، الذي شرح منهجه في تجميع مواده مبيِّنًا أنه جمع في تضاعيفه ثلاث خطوات: المعرفة القديمة، والملاحظة التجريبية، والبحث، هو ما نجده في فترة لاحقة عند عالم الزراعة الفرنسي O.de Serres وقد اعترف هذا الأخير بتوفره على دراسة علماء الزراعة في جميع البلدان، وخاصة القدماء منهم؛ على أننا نجهل بالمقابل من أين استمد معرفته ـ الأكيدة قطعًا ـ لعلم الزراعة عند العرب. يقول من جانبه بأنه قرأ دراسات عديدة في أكثر من لغة. ونعلم بأن الدراسات الزراعية في عصره كانت متوفرة بسبع لغات تضم فيما تضم اللاتينية والأندلسية والاسكندينافية. وكانت الكتب تنتقل بغزارة ووفرة، وهذا ما يشير إليه المؤرخ المشهور في القرن الرابع عشر ابن خلدون قائلًا:"وكُتْب المتأخرين في الفلاحة كثيرة" (5) .